كـل يــوم

    لابدَّ من إعادة النظر في منع سفر الأطفال

    سامي الريامي

    خلال جولة تفقدية، يقوم بها عادة اللواء محمد المري، مدير الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في مطار دبي، لاحظ وقوف امرأة قبل منفذ جوازات العبور، ويبدو عليها الحزن بشكل واضح، تجلس بجانبها طفلة لا تتعدى عامها الثاني عشر، ودموعها تملأ عينيها، لكنها تحاول أن تكون متماسكة، وكلتاهما تنظر بأسى إلى الجانب الآخر من المنفذ، حيث تعبر طفلتان وهما تلوحان لهما، لكن بملامح حزينة أيضاً!

    لاشك في أن مشهداً كهذا، كان لافتاً للجميع، لذا سارع اللواء المري إليهما ليستطلع الأمر، وهو يقول في قرارة نفسه: «لابد أن أُنهي دموع هذه الطفلة، مهما كلف الأمر»، وبعد التحاور مع الأم اتضح أنها جاءت لترافق ابنتها في رحلة مدرسية تنظمها المدرسة بحضور مجموعة من الطالبات، ولأنها على خلاف عائلي مع الأب، وصل إلى مرحلة الطلاق، وضع الأب تعميماً بعدم السفر لهذه البنت الصغيرة، فكان ما كان، ولم تتمكن من المغادرة، فجلست حزينة تنتظر مغادرة الطالبات لتبدأ بإقناع ابنتها بالرجوع إلى المنزل!

    بطبيعة الحال لم يتركهما اللواء في هذه الحالة، وتدخل بشكل شخصي ليقنع الأب بالسماح لهما بالمغادرة، وعلى مسؤوليته الشخصية، وبعد مضض وغضب وأخذ ورد، وافق الأب، لترتسم الفرحة على هذه الطفلة الصغيرة، التي لا ذنب لها في كل ما حدث بين والديها، لكنها وحدها من يدفع ثمن الخلاف بينهما!

    هذه الأم وتلك الطفلة، كانتا محظوظتين، لأن المسؤول الأول عن مغادرة ودخول المسافرين، وبمصادفة بحتة، شاهدهما أثناء جولته، لكن في مقابل ذلك كم من الحالات الأخرى التي لم يشاهدها اللواء! وكم هي الحالات في جميع مطارات ومنافذ الدولة! وكم من الأطفال لم يستطيعوا المغادرة، وعادوا إلى بيوتهم وهم يبكون ويصرخون طوال الطريق!

    كلمة جميلة قالها اللواء محمد المري لذلك الأب، ويا حبذا لو يسمعها ويعقلها جميع الآباء المختلفين مع طليقاتهم: «لا تُعامل هذه الطفلة الصغيرة على أنها ابنة طليقتك التي تريد الانتقام منها، بل عاملها على أنها ابنتك، وهي جزء منك مهما حدث، ولا يجوز الانتقام منها!».

    لا أتحامل هُنا على الآباء، وأُدرك تماماً أن المسؤولية مشتركة، والأخطاء أيضاً مشتركة، وأُدرك أنه ليس الجميع رجالاً ونساء على القدر نفسه من الفكر والثقافة والرحمة، كما أن العناد والرغبة في الانتقام بعد الطلاق يشملان الطرفين في بعض الأحيان، لكن القضية التي أريد التركيز عليها هنا، هي كيفية ضمان إبعاد الأطفال عن هذه الخلافات وجولات الانتقام، وكيفية إعطائهم الحق قانوناً لممارسة حياتهم الطبيعية دون منغصات من هذا النوع!

    واضح تماماً أن القانون أعطى الحق للأب كي يصدر تعميماً بمنع طفل أو طفلة من السفر مع الأم الحاضنة، لإيقاف حالات هرب الأمهات «الأجنبيات» مع أطفالهن، وهذا ما حدث فعلاً في الآونة الأخيرة، لكن مُشكلة هذا القانون أنه عمّم ذلك على جميع الأُمهات، وعالج مشكلة ليصنع مشكلة أخرى، فلِمَ لا يقتصر حصول موافقة الأب برسالة خطية على سفر ابنه أو ابنته على الأمهات الأجنبيات فقط، واستثناء الأمهات المواطنات؟ وذلك ليس لأسباب عُنصرية، بل لانتفاء غرض الهرب من الأم المواطنة، فهي لابد أن ترجع مهما طال السفر!

    هُناك بالتأكيد من هم أجدر مني بوضع حلول مناسبة لهذه القضية، وهناك بالتأكيد حلول أفضل من منع سفر الأطفال برفقة أمهاتهم، ولاشك لدينا أبداً في أن مشكلات من هذا النوع لن تدوم طويلاً، فالمسؤولون عودونا دائماً على سد الثغرات، وإكمال النواقص، وتعديل الأخطاء إن وجدت، فهل نشهد في القريب العاجل تعديلات على مثل هذا القانون؟

    reyami@emaratalyoum.com

    twitter@samialreyami

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة