5 دقائق

وداعاً والدي

خالد السويدي

يمضي قطار العمر سريعاً، ولا تكاد تتذكر منه سوى أحداث معدودة، تحاول قدر الإمكان استعراض تلك الذكريات التي مرت بحياتك بحلوها ومرها، بأفراحها وأحزانها.

- عندما أخبره الأطباء

بنوعية مرضه أظهر

تماسكاً غريباً، وأخذ

يردد أنه ليس بأفضل

من غيره.

أتذكر عندما كان والدي يصطحبني معه إلى الدوام في عطلة المدارس بسبب شقاوتي، فأقضي الصيف معه في الوزارة، أتنقل من مكتب إلى آخر، تارة أجلس على مكتب رئيس القسم، وتارة أخرى على كرسي وكيل الوزارة الذي يتحرك في جميع الجهات، أركب المصعد من الطابق الأول إلى السابع، أزور جميع الأقسام حتى عرفني جميع موظفي الوزارة.

عند بداية العام الدراسي، أخرج مع والدي إلى السوق القديم في بردبي، يشتري لي حذاء من نوع «أديداس» مع فانيلة بيضاء، ثم يشتري لي ساعة من نوع «سيتزن»، وأحياناً من نوع «كاسيو»، كنت أتوجه معه بشكلٍ شبه يومي إلى نادي النصر، حيث يحضر مباريات وتدريبات الفريق، ويرجع بعدها إلى البيت.

كان يضربني عند تقصيري وإهمالي، يغضب مني ولا يكلمني لفترات طويلة، أحاول قدر الإمكان إعادة العلاقة معه إلا أنه كان عنيداً، على الرغم من ذلك كان لا يكف عن السؤال عني، ليطمئن ويعرف أحوالي، ثم بدأ يطول غيابي عنه بعد زواجي لأيام وأسابيع لظروف وأسباب واهية.

قبل سنة تقريباً، رافقته في رحلة علاج إلى الولايات المتحدة الأميركية، كانت المرة الأولى التي أراه متأثراً بهذه الطريقة، فلم يكن يعلم مصيره وما الذي يمكن أن يحدث له في فترة العلاج، وعندما أخبره الأطباء بنوعية مرضه أظهر تماسكاً غريباً، وأخذ يردد أنه ليس بأفضل من غيره، ظل يستيقظ يومياً بكل نشاط ليعد طعام الإفطار لي أثناء فترة علاجه، قضى ستة أشهر دون أن يشعر بأي ملل، ومارس حياته بشكل طبيعي، رغم جرعات الكيماوي الأسبوعية التي تنفذ إلى جسده إلى أن عاد إلى أرض الوطن لإكمال العلاج.

بعد أشهر من عودته، أخذ المرض ينهشه، وفي نهاية شهر رمضان لم يتحمل جسده شدة المرض، فاستسلم لقضاء الله وقدره.

أتذكر كل ما مضى، وتلك الأيام التي جمعتني به منذ طفولتي وحتى وفاته، أيقنت أن الذكريات الجميلة تبقى، وأن الوالدين لا يعوضان بأي ثمن، وأن هناك أوقاتاً نتمنى أن يعود بنا الزمن إليها لنعيشها من جديد.

Emarat55@hotmail.com

Twitter: @almzoohi

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة