5 دقائق

فلاسفة وحكماء زماننا

عبدالله القمزي

لم يعد الجلوس مع الأهل والأصدقاء كالسابق، فالكل مبحلق في الشاشة الصغيرة ويتحدث عن أهم الفيديوهات التي وردته ذلك اليوم، أو يتابع ما يقوله مؤثّرو السوشيال ميديا، أو فلاسفة وحكماء زماننا، عبر حسابات «سناب شات» و«إنستغرام»، الذين يتربحون من متابعتك ويعطونك هراء وتفاهات ومعلومات خاطئة، أو يتبجحون بما لديهم من نعمة ويتركون النساء متحسرات، تتمنى كل فتاة في قرارة نفسها لو كانت مثلهم.

ظاهرة لو تتبعناها ستجدها تعود إلى عام 2014. طرف يصور طعامه وشرابه وتذكرة سفره، ونوع سيارته وساعته، ويشكر من قدم الهدايا إليه حتى يخفف من درجة التبجح، أما الطرف الآخر فيشاهد ويتحسر ويغرق في كآبة لأنه لا يعيش هيلمان سعيد الحظ فيلسوف الزمان!

آخر الأبحاث العلمية في أستراليا أشارت إلى أن مشاهدة صور حياة المؤثرين المثالية، خصوصاً على «إنستغرام»، تثير مشاعر سلبية اجتماعية، نابعة من حالات مقارنة ذاتية تجعل المستخدمين غير راضين عن أنفسهم ومستوياتهم.

استهل فلاسفة زماننا حياتهم الافتراضية مثل أي مستخدم إنترنت، لكن عندما أنتجوا محتوى معتمداً على مهارة أو موهبة معينة (الثرثرة بالهراء تعد موهبة عند هؤلاء)، أو عندما يكون المحتوى عن حياتهم الشخصية اليومية، بدأت الجماهير تتراكم و تتابعهم.

الكثير من هؤلاء يشترون متابعيهم، أو يشتركون في حسابات متخصصة في توفير متابعين روبوتات مصممة لإعطاء لايكات وتعليقات كأنها بشر.

وعندما يكثر عدد متابعيهم يلتفت إليهم المعلنون، ويدفعون لهم مقابل وضع إعلانات في محتواهم، وتالياً يؤثرون بشكل مضلل في قرار الشراء عند الجمهور. بعكس المشاهير التقليديين، فإن المؤثرين يعدون كنظراء موثوق بهم من قبل جماهيرهم، حسب دراسة فنلندية. وهذه مسألة مهمة عند المعلنين لأن النظير يؤثر في اهتمامات متابعيه وسلوكهم وقراراتهم الشرائية أكثر من المشاهير.

حتى صغار الفلاسفة الذين لا يصل متابعيهم إلى 50 ألفاً، يكسبون مئات الآلاف من الدراهم مقابل دعاية. معظم هؤلاء لا يعكسون واقع حياتهم حتى لو تواضعوا أو ظهروا كضحايا، فذلك متعمد ولا يعكس الحقيقة. الموضوع كله تمثيل لتحقيق شهرة، والترويج لحساباتهم، وجذب المعلن لكسب الأموال. هذه الظاهرة لن تتوقف مادامت الأموال تغدق على فلاسفة زماننا، ومادامت الجماهير تتابع، لكن جميع الباحثين اتفقوا على أن مشاهدة هذا المحتوى لها أضرار نفسية وخيمة، لأن المتابعين لا يتوقفون عن مقارنة أنفسهم بالصورة المثالية الكاذبة للمؤثرين فلاسفة تلك المنصات، وفي مقدمتها «إنستغرام». وفي كل مقارنة يرى الشخص نفسه في وضعية سيئة، مقارنة بصورة الوهم التي يعكسها المؤثر التافه، الذي يلعب دوراً خطيراً في تسطيح العقول.

بالعربي: منذ 10 أعوام، كنت إذا دخلت مجلساً لا أستطيع الخروج منه إلا بعد تمضية ساعتين على الأقل، وكان صاحب المجلس يكرمني ولا يتركني أغادر إلا بعد تأكيدات مني بزيارته مجدداً. لكن لم أتوقع أن يأتي يوم أدخل فيه مجلساً فأجد جميع الحاضرين مطأطئي رؤوسهم في تلك الشاشات الصغيرة يستمعون إلى محاضرات إنستغرامية/‏‏سنابية سخيفة، ولا أحد يتحدث إلي أو إلى الآخر، والأسوأ أني لو دخلت أو خرجت لا يشعر بي أحد!

مشاهدة صور حياة المؤثّرين المثالية على «إنستغرام»، تثير مشاعر سلبية اجتماعية نابعة من حالات مقارنة ذاتية.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة