5 دقائق

وهو بالأفق الأعلى

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

كلما تجدّدت السنون، وعادت ذكرى الإسراء والمعراج المشهورة بـ27 من شهر رجب الحرام، كما يراه كثير من كُتَّاب السيرة؛ ازداد المؤمن تعلقاً بصاحب الذكرى، صلى الله عليه وسلم، لما كان لها من عظيم الأثر على قلبه، عليه الصلاة والسلام، وبركتها على أمته، وهي الذكرى التي ينبغي أن تتكرر مع المؤمن كل يوم وليلة، عندما يعرج بروحه وقلبه إلى ربه، سبحانه وتعالى، حينما يقف بين يديه يناجيه بكلامه القديم {إياك نعبد وإياك نستعين}، الذكرى التي كانت تكريماً من الله تعالى لعبده ونبيه وحبيبه ومصطفاه، صلى الله عليه وسلم، واحتفاءً به في الأرض والسماء، وفي عالم الأرواح بكوكبة الأنبياء والمرسلين، وعالم الأشباح من الملائكة الكرام، وفي عالم الغيب عنا، وعالم الشهود لديه في رؤياه الجنة والنار ومن آيات ربه الكبرى.

هذه الذكرى التي كان بدؤها تسليةً للنبي، صلى الله عليه وسلم، لما أصابه من الحزن على فَقْد زوجه أم المؤمنين، خديجة الكبرى، رضي الله عنها، وعمه أبي طالب، الذي طالما حدب عليه، ومنع عنه الأذى، وكانت تثبيتاً لقلبه، عليه الصلاة والسلام، عندما ضاقت عليه الدنيا بشدة عداوة الأقرباء، وعدم وجود الناصر له حتى يبلِّغ رسالة ربه، وكانت إيذاناً له بأن الملك الحق المبين معه، ولن يسلمه لعدو يتجهمه، أو قريب يملك أمره، وأن الملائكة المقربين هم جنده، والجبال مسخّرة له إن أراد الانتقام من عدوه وعدو دعوته، وكانت إظهاراً لمنزلته بين النبيين والمرسلين، حيث جمعهم الله تعالى له في بيت المقدس، وفي السماوات العلا ليُسلِموا له قيادة أممهم تطبيقاً لعهد الله تعالى المشار إليه بقوله جلّ شأنه {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي؟ قَالُوا أَقْرَرْنَا. قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}.

هذه الذكرى العظيمة التي كانت بداية فتح جديد لنبي الإسلام ورسالته العظيمة الخالدة؛ لا ينبغي أن تمر دون أن يتذكر المسلم دلالاتها وآثارها عليه في دنياه وآخرته، وأول دلائلها: أن الله تعالى مع نبيه وعباده الصالحين، وإن ابتلاهم بالشدة والأذى فإن ذلك تمحيص يوشك أن ينفرج عن رخاء ونعمة، تحقيقاً لوعده سبحانه {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}.

وثانيها: دلالة الإسراء إلى بيت المقدس، وقد كان بحرم الله الذي هو أول بيت وضع للناس، وهو أفضل من بيت المقدس، ومثوى كل الرسل في الحج والاعتمار، فلم يشأ الله تعالى أن يكون العروج منه، وهو جوهر التكريم، لتقوم رابطة الإيمان بين المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، وحرم المدينة الذي مر عليه، والمسجد الأقصى، حتى يقوم المسلمون بواجبهم نحوها عمارة وحماية.

وثالثها: التكريم العظيم الذي أُكرم به المصطفى، صلى الله عليه وسلم، ترحيباً به في السماوات السبع، من قِبَل الأنبياء، عليهم وعليه الصلاة والسلام، وترقِّيه إلى المقامات العلا إلى العرش والكرسي وسدرة المنتهى، إلى محل يسمع فيه صريف الأقلام، بجسده الشريف وروحه المنيف ليرى من آيات ربه الكبرى، ويرى حقائق الآخرة، وما فيها من نعيم مقيم، وعذاب أليم، حتى تكون دعوته عن حق اليقين وعينه، وحتى يكون أثبت لقلبه وأدعى لتصبُّره.

ورابعها: لينال وأمته شرف العروج إليه سبحانه في الصلوات، والقرب منه في سجدات المناجاة، فيكونوا متعلقين بربهم في كل الأوقات، وبذلك يحصل لهم شرف العبودية الحقة الذي هو أشرف المقامات، حينما يقول الحق لعبده: {فاسجد واقترب}.

وخامسها: أن لا يطمع الإنسان في هداية من كتبت عليه الشِّقوة والضلالة، فإنه وإن رأى كل آية، ولم يكن الله قد كتب له الهداية، فلن يهتدي، فهؤلاء مشركو قريش قامت كل الدلائل على صدق هذه المعجزة العظيمة، ومع ذلك لم تزدهم إلا نفوراً.

هذه المعاني العظيمة وغيرها كثير ينبغي للمسلم أن يقف عندها، وقد تجددت عليه نعمة الذكرى، فيأخذ منها العبرة للدنيا والأخرى، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة