5 دقائق

مدينة فوجان

د. علاء جراد

لم يتخيل المدرس المبتدئ، الذي قدم من أميركا إلى إسبانيا لتدريس اللغة الإنجليزية، أنه سيقضي حياته كلها في هذا البلد الجميل، وأن تدريس اللغة الإنجليزية سيجعله مليونيراً مبدعاً، يعمل معه مئات المدربين، وأن قائمة عملائه ستضم شركات مثل مايكروسوفت ومرسيدس وفولكسفاجن وفايزر، وأن قناته التلفزيونية سيشاهدها الملايين في العالم، وستتحدث عنه صحف مثل التايمز، وبرامج مثل 60 دقيقة. لقد بدأ فوجان بداية بسيطة جداً مدرساً للغة الإنجليزية، لكنه أتقن عمله، وكان دائم التطور، وفي عام 1977 أسس شركة صغيرة، وذاع صيته، وبدأ في استقطاب مدرسين آخرين، وعلى مدار 42 عاماً انتقلت الشركة من الاعتماد على الطرق التقليدية في التدريس إلى استخدام التكنولوجيا، ولاحقاً فضاء الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

في عام 2000، حين بدأت الإنترنت في الانتشار، قام فوجان بمغامرة أحدثت طفرة في طرق تدريس الإنجليزية، حيث أراد أن يُحضر متحدثين من مختلف التخصصات، ومن مختلف دول العالم، ليلتقوا بالمتعلمين ويتحدثوا معهم، فتحولت العملية من مجرد تعلم لغة إلى تعلم ثقافات وتجارب الكثيرين، قام فوجان باستغلال قرية مهجورة في ريف إسبانيا، فجهّز بعض الفصول، وبدأ التجربة بإحضار 20 طالباً من رجال الأعمال والموظفين الذين يرغبون في تحسين لغتهم الإنجليزية، وكان المعلمون هم 20 متطوعاً من مختلف دول العالم، ما عليهم سوى دفع كلفة السفر إلى إسبانيا، وقامت الشركة بالتكفل بكل تكاليف الإقامة والطعام والترفيه، في مقابل أن يقضوا أسبوعاً مع المتعلمين، وكل ما يفعلونه هو التحدث والاستماع باللغة الانجليزية. كانت التجربة مكسباً للطرفين، فهي بمثابة إجازة مدفوعة التكاليف للمتطوعين، وفي الوقت نفس فرصة للطلاب للاستماع إلى لهجات وطرق مختلفة في نطق اللغة، إضافة إلى تعلم القليل عن ثقافات أخرى.

منذ ذلك اليوم، وهناك الآلاف ينخرطون سنوياً في برامج تلك القرية، التي أصبحت معروفة باسم مدينة فوجان، والفرصة متاحة لكل من يتحدث الإنجليزية للاشتراك في هذه التجربة، التي تشمل التعرف إلى بعض معالم إسبانيا. لم يتوقف طموح فوجان، وقام بإطلاق قناة تلفزيونية متخصصة في تعليم اللغة الإنجليزية، بعدها بعامين قام بإطلاق أول لعبة للغة الإنجليزية على «بلاي ستيشن»، كما شارك كبرى الصحف الإسبانية في إنتاج مسلسل لتعليم اللغة الانجليزية، ثم قام بإنتاج برنامج متخصص، بالتعاون مع التلفزيون الوطني في إسبانيا.

توجد الكثير من الدروس التي يمكن تعلمها من قصة فوجان، أولها الإخلاص في العمل، والتحسين المستمر، ثم التعاون وبناء الشراكات الناجحة، ولا ننسى أن الاستثمار في التعليم هو دائماً من أنجح الاستثمارات، شريطة أن يكون رسالة وليس تجارة.

بدأ فوجان بداية بسيطة جداً مدرساً للغة الإنجليزية، لكنه أتقن عمله، وكان دائم التطور.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

 

طباعة