5 دقائق

المبادئ الحاكمة

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

«دبي» إمارة متميزة في كل شيء، لا تعنيها النمطية في شيء؛ لأنها تقتل الإبداع، وتمنع تجدد الحياة، وتؤخر تطور الشعوب ونمو البلدان، و«دبي» لم تقف عند حد التميز في الحضارة والرقي والتقدم التقني والسماحة الإسلامية العريقة، حتى تميزت في الحكم الذي غالباً ما يكون مؤطراً بدستور ناظم محكم، فأرادت أن تفوق ذلك بمبادرة المبادئ الأساسية للحكم.

ذلك ما أعلنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حاكم هذه الإمارة العريقة، يوم السبت الخامس من يناير عام 2019 بما سماه المبادئ الثمانية لدبي، التي أوضح فيها أسس حكم آل مكتوم - دام عزهم - لهذه الإمارة البديعة، فإنه حفظه الله وبارك فيه طرح هذه الأسس لشعبه حتى يكونوا على بيِّنة من نهجه ونهج سلفه وخلفه في رعاية مصالح الشعب حاضراً ومستقبلاً، فيعلموا أن لديهم قيادة تُعنى بمصالحهم أكثر من عنايتهم بأنفسهم، وما عليهم إلا أن يَروا واقعها ويلمسوا آثارها من غير التباس.

إن هذه الأسس القليلة المباني الكثيرة المعاني هي في الحقيقة دستور الحكم الذي لا يمكن أن يأتي عليه النقض أو التحايل، فهو عهد التزمه الحاكم وألزم به من يليه حتى يطمئن على شعبه وبلده، ويضمن استمرار الازدهار الذي أرسى قواعده أبوه من قبل، وشيد صرحه هو، وسيواصل مسيرته أنجاله كابراً عن كابر، وكما قال زهير:

فما يكُ من خيرٍ أتوه فإنِّما ... توارثه آباء آبائهم قبلُ

نعم إن الشيخ محمد بن راشد رجل الجد والمبادئ والطموح، فهو يرى أن أساس نجاح دبي هو الحاكم، الذي يجعل «دبي» همه الأول، وأنه يعمل لها بلا كَلَلٍ ولا ملل، ولابد لهذا الحاكم من أسس ينطلق منها، وتكون نبراسه المضيء إذا التبست الطرق، فجعل الأساس الأول «الاتحاد» الذي هو سر قوة الإمارة وضمان حمايتها، والأساس الثاني «العدالة» التي تصان بها الحقوق وتؤمِّن الساكن والمستثمر، والأساس الثالث «الاقتصاد» الذي هو عصب الحياة وسر تفوقها وتقدمها، والأساس الرابع «النمو المطرد» الذي هو شريان الحياة، والأساس الخامس «المجتمع» الذي هو القوة الفاعلة والناعمة للبناء والاستقرار والتطور، والأساس السادس «تنوع مصادر الدخل» الذي هو سر بقاء النمو المطرد، والأساس السابع «تفعيل المواهب» التي تنتج كل رقي وتقدم، والأساس الثامن «المستقبل» الذي هو الأمل المنشود والبقاء المقصود، وهو أمانة في أعناق الجميع.

هذه مبادئ وركائز الحكم لدى أسرة آل مكتوم - أدام الله عزها وسؤددها - وهي ترجمة واضحة لما تعمله من خير لشعبها وبلدها، وليست بحاجة إلى شهادة الشاهدين بعد ما سطرته بَيِّنات الفِعال ومُدَونة المبادئ الجِلال، لكنها تحتاج من يقدر هذا الجهد، ويحافظ على هذا العطاء، ويستمر في ذلك العمل الذي تم وسيتم من خلال ذلكم الطموح البعيد الشأو.

ولا ريب أن شعباً عاش في كنف هذه الأسرة لهو أجدر الشعوب بإعانة هذه الأسرة في تحقيق مبادئها فيه، وهو الذي يحمل الحب غير المتناهي، والإخلاص غير المتردد لشيوخه وأرضه، وبذلك يتكامل بناء هذه الحكومة والدولة الإماراتية المتشابكة العروق والأغصان، والمتمازجة كتمازج الماء في العود الأخضر، فتنفيذ هذه المبادئ سيكون سهلاً على الأسرة الحاكمة؛ لأنها تجد الرجال الأوفياء الذين يعينونها على تحمل المسؤولية العظيمة، وهذا ما لا يخفى على واضعها المبارك؛ لذلك فإنه قبل أن يجف حبر المبادئ الثمانية التي وضعها في اليوم الأول أعقبها بوثيقة الخمسين ذات الركائز التسع لتطور دبي تطوراً غير متناهٍ، والتي تمثل جوانب من رؤية سموه لمدينة دبي المستقبل، والحياة التي يتمناها سموه لكل من يعيش على ثراها الزكي.

إن هذا الطموح الذي ينشده الحاكم - حفظه الله - هو معنى المسؤولية الكبيرة التي يعيها، والتي لم يقف فيها عند حد الواجب والمطلوب، حتى بذل أكثر من ذلك، وهو الفضل الذي يتنافس فيه الخيرون ويسعى إليه المشمرون، وليس هناك من هو أجدر بهذه المنافسة من أسرة آل مكتوم التي آلت على نفسها إلا أن تكون متبوعة لا تابعة.

عمّرها الله وعمّر أرضها وشعبها إلى يوم المرجع والمآب.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة