5 دقائق

كيف تنظرون للإنسان؟

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

هذا سؤال وجيه وجّه إلينا ممن لا يعرف الإسلام، وحقه أن يسأل وواجبنا أن نجيب ونبين له حال الإنسان في شِرعة الإسلام، فإن التشويش الذي حصل على الإسلام ليس قليلاً، فقد أضحت جلياته خفيات، وكما قالوا:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمَدٍ

وينكر الفم طعم الماء من سقَمِ

إن الإنسان في نظر الإسلام هو محور الكائنات؛ فهو المستخلَف في الأرض المستعمَر فيها، وهو الذي خلقت له الأرض وما فيها، وهو الذي أوجده الله لمعرفته وعبادته، وشرفه بها ليضاف إليه سبحانه، وهو الذي كرمه الله ببعثة الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع ليعيش له ولياً، وبه صفياً، وبدينه حفياً، وهو الذي حماه الله تعالى بسياج شرعه؛ فحرم دمه وماله وعرضه، وجعل التعدي على نفسه تعدياً على النوع الإنساني كله، وهو الذي سخر له الكائنات في بره وبحره وجوه، وهو فوق كل ذلك أعد له جنات تجري تحتها الأنهار ليخلد فيها أبداً، إن هو آمن به وعبده، وأعد له فيها من النعيم ما لا أُذُنٌ سمعت ولا عين رأت ولا خطر على قلب بشر، ولكل ذلك وغيره كرمه الله تعالى تكريماً لم يكرم شيئاً من الخليقة في الأرض مثله، كما أخبر في محكم كتابه.

فهذا هو الإنسان عندنا معاشر المسلمين، فننظر إليه نظرة إنسانية كريمة، ونعامله بما نحب أن نعامَل به، ونعيش معه على مبدأ التكامل والتعاون على فعل المنافع ودفع المضار، وقد نُؤثِره على أنفسنا وإن كانت بنا خصاصة، نعامله بقيم الرحمة والإحسان والرأفة والمحبة والإخاء والوفاء والسماحة والحلم والكرم والنصرة والبر والعدل.. كل ذلك لأننا أمةُ قِيم ودين عظيم، ونتبع الرسول المبعوث رحمة للعالمين، عليه من الله تعالى أزكى الصلاة والتسليم، فلا نسعى إلى الإضرار به في دينه ولا في ماله ولا في نفسه ولا في عرضه ولا في أرضه ولا في خصوصياته، ولم نصنع أسلحة الدمار الشامل لإهلاكه وفنائه وإفساد أرضه، ولم نستحل له أرضاً ولا عرضاً، ولم نصادر خيراته ومدخراته ومكنونات أرضه.

نعم هذا هو الإنسان في نظر الإسلام الذي أتى به رسول الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونزل عليه قرآن كريم يوضح مكانة الإنسان وحقوقه وواجباته، ولايزال هذا القرآن غضاً طرياً كما أنزل يوضح هذه المكانة والحقوق والواجبات، وعلى غير المسلمين ممن لا يعرف ذلك أن يكلف نفسه البحث بتجرد في شريعتنا ودستور حياتنا وآخرتنا - القرآن الكريم - وسيرة نبينا عليه الصلاة والسلام وتأريخنا العريق مع غيرنا ليرى كل ذلك إن كان يطلب الحقيقة الإنسانية في الإسلام، فإن كان قد بحث بذلكم التجرد وطلب الحق فسيهتدي إلى صراط مستقيم، لا يسعه إلا إكبار هذا الدين على أقل تقدير إن لم يُوفق لاعتناقه والافتخار بالانتساب إليه.

أما المسلمون الذين يجهلون هذه الحقيقة الإنسانية في دينهم فإنهم على خطر عظيم، لأن هذا الجهل سيجعلهم يصدون عن دين الله بأفعالهم، وذلك من أعظم الكبائر، أو يحملهم على أن يقترفوا الموبقات التي قد توجب لهم السخط من ربهم سبحانه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولستُ في حاجة لسرد النصوص لهذه الحقائق الإسلامية حتى لا أكون «كجالب التمر إلى هجَر».

لكني أذكّر بمنهج النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو الأسوة الحسنة، فقد عامل الإنسان الذي لم يحاربه بما يليق بإنسانيته الكريمة، فجاور اليهود والنصارى وتعامل معهم وبَرهم وأقسط لهم، وأحسن إلى المنافقين وغض طرفه عن مكرهم ودسائسهم، وهادن المشركين، ولما ظفر بهم منَّ عليهم وأطلق سراحهم.. إلى غير ذلك من صفات الكمال الخُلُقي التي حلاه الله تعالى بها، كل ذلك ليكون أسوة لأمته في تعاملهم مع غيرهم من بني الإنسان، وحجة عليهم إن لم يتأسوا به، ولعله يتبرأ ممن غير وبدل أو انتهك حرمة ذمي أو معاهد، وكل ذلك هو شرع الله القويم الذي يراه الإسلام في حق الإنسان، فهل علم القساوسة والرهبان وأرباب الديانات الأخرى هذه الحقيقة الإنسانية في الإسلام؟ اللهم أرجو.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة