موضة «طعام صلاة حب» - الإمارات اليوم

5 دقائق

موضة «طعام صلاة حب»

عبدالله القمزي

قلنا في مقال سابق إن مجال تطوير الذات بات بيئة خصبة للنصب والاحتيال، وما يفعله هؤلاء هو إضافة بُعد فلسفي إلى أشياء تعتبر بديهيات في الحياة، نقلوها من الغرب وعرّبوها وأعادوا بيعها إلينا.

خرجت إلينا موضة جديدة تسمى تدريباً على الحياة، تهدف إلى مساعدة الناس في التغلب على تحديات الحياة والاكتئاب، ومساعدتهم في إعادة اكتشاف ذواتهم وتغيير شخصياتهم.

يأخذ مدرب أو مدربة الحياة أتباعه إلى الصحراء، أو الطبيعة الساحرة خارج الدولة، ويتسلق معهم مرتفعات، ويلقي محاضرات عن تجاربه في الحياة، ولا تجارب عنده بالضرورة، وقد يطلب وضع هواتفهم الذكية بعيداً، وأن على المتصل أن يفهم أنهم مشغولون وليسوا متوافرين للإجابة على الهاتف إلا عندما ينتهون، وكأن هذا علم جديد سيغير حتماً شخصياتنا وليس بديهيات.

وأقول إني دخلت التجربة منذ ثمانية أعوام، برغبة الفضول والتسلية مع صديق، وكانت التجربة الأولى بجزيرة نائية في البحرين، حيث حاضرنا المدربون عن تغيير الشخصية والتأمل في البحر، وهراء أن تكذب على نفسك وتجعل العقل يصدق الكذبة فتنسى الواقع المؤلم وتعيش وهماً مؤقتاً، وتكررها حتى يعتاد العقل على الوهم! وعزلونا عن هواتفنا وسهرنا حتى الرابعة فجراً مشكلين حلقات دائرية، رؤوسنا مطأطأة كأننا نضع خطة ركلات الجزاء الترجيحية في مباراة كرة قدم!

ثم أيقظونا الساعة السابعة فجراً لمحاضرة عن وضع أهداف في الحياة، وهكذا لمدة ثلاثة أيام! بحلول فجر اليوم الثالث، أخبرت المنظمين أن أموالي حلال عليهم مقابل تخليصي من هذا الجنون وطلبت المغادرة! فعزلوني في مسكن وحدي حتى انتهت الدورة، ثم أطلقوا سراحنا جميعاً!

الرحلة الثانية في ماليزيا وأكدوا لي أنها ستكون مختلفة، وذهبت مع الصديق نفسه ، لم يتغير شيء والجنون بقي كما هو، وأصبنا بالإرهاق من كثرة الهذر ونام صديقي وسط إحدى المحاضرات المملة علناً! وعدنا بخفي حنين.

موجة إعادة اكتشاف الذات بدأت مع ذلك الفيلم التعيس Eat Pray Love «طعام صلاة حب» لجوليا روبرتس عام 2010، عن امرأة تُطلق من زوجها وتذهب إلى إيطاليا والهند وإندونيسيا لاستكشاف الذات، ولتأكل وتصلي وتحب! وهذه الرحلات كلها أفكار مستمدة من روحانيات ثقافات شرق آسيوية تجد رواجاً كبيراً في الغرب الغارق في المادية وملذات الحياة، أما نحن فنقلد بلا تفكير للأسباب التالية:

استوردنا أسلوب الحياة الغربي بأمراضه، والآن نستورد العلاج الروحاني ذاته الذي اكتشفه الغرب لأمراضه، لأن ما يفعله الغرب هو موضة تستحق التقليد!

انتشار الفراغ بين الشباب، خصوصاً الفتيات اللاتي يشكلن 90% من زبائن تلك الرحلات أو الدورات، واعتمادهم «السوشيال ميديا» المتهم الأول في تسطيح عقولنا للترويج لتلك الأفكار. لست ضد أخذ المفيد من الثقافات الأخرى، لكني ضد أخذ ما لسنا بحاجة إليه ولدينا بدائل أخرى، لكننا نعشق التقليد.

بالعربي: لا نخلط بين مبدأ الخلوة المستحب لمناقشة الأفكار، وبين رحلات إلى الطبيعة لإعادة استكشاف ذواتنا! فالأول ضروري والثاني هراء، لستَ بحاجة إلى تسلق جبل أو العيش في الأدغال لتغيير ذاتك، خذ الحياة ببساطة وبلا تعقيدات وفلسفة، فالمبدأ هو أن تتعلم شيئاً جديداً يوسّع مداركك ويعمّق خبرتك، وهنا تتغير شخصيتك للأفضل، وهذا تستطيع فعله في أي مكان تريد حتى في البيت.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة