السيرة العطرة والشمائل الزاكية - الإمارات اليوم

5 دقائق

السيرة العطرة والشمائل الزاكية

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

يُعنى المسلمون في شهر ربيع الأول بمذاكرة السيرة العطرة والشمائل الفاخرة لسيد الوجود وأشرف كل مولود سيدنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه؛

«ضعف المناهج

التعليمية وانشغال

الناس بدنياهم جعلا

الكثير منهم لا يعرف ما

يجب عليه معرفته من

أحوال نبيه صلى الله

عليه وسلم».

وذلك بمناسبة ذكرى مولده الشريف في هذا الشهر الكريم؛ لأن التاريخ يفرض نفسه على الحدث أياً كان، كما يشير لذلك قول الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، أي أيام نِعمه ونِقمه، وليس هناك حدث عرفته البشرية والكون كله أجلّ من حدث ولادة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه سيد ولد آدم، ولأنه أفضل الرسل، وكتابه أفضل الكتب، وهو الكتاب الوحيد الذي تولى الله تعالى حفظه بنفسه، وجعله معجزة باقية لنبيه عليه الصلاة والسلام، وشريعته أفضل الشرائع وخاتمتها، وأمته أفضل الأمم كما أخبرنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الفضائل التي لا تتناهى، فكان لا بد للمسلمين أن تكون لهم عناية كافية بسيرة نبيهم المصطفى عليه الصلاة والسلام من حيث نسبُه وولادته وما أظهر الله تعالى من الآيات عندها، ومن حيث نشأتُه وبعثته ورسالته، ومن حيث شمائُله وخصائصه وفضائله ومعجزاته، ومن حيث منزلتُه عند الله تعالى وعند خلقه، ومنزلته في الجنة وما قبلها من المقام المحمود والحوض المورود وغير ذلك، وكل هذه من الأمور التي لا ينبغي للمسلم أن يكون في غفلة عنها؛ لأن الغفلة عن ذلك تعني عدم معرفته بدينه ونبيه الذي يتبعه في كل صغيرة وكبيرة من أمر دينه ودنياه، كما أمر الله تعالى بذلك، فكان من المتعيّن على كل مسلم أن يكون قد تروَّى بذلك في طفولته ومناهج دراسته، حتى يعرف كيف كان رحيماً بأمته خاصة والناس عامة، وكيف كان عابداً لربه، وكيف كان كريماً مع الخلق وكيف كان ذا خلق عظيم في دينه ودنياه ومع من يعرف ومن لا يعرف، وفي السلم والحرب والعسر واليسر والسراء والضراء، وكيف كان محباً للكون كله ومسالماً له، وكيف كان يتعامل في بيته وفي بيعه وشرائه وسفره وحضره، وكيف كان يبلغ رسالة ربه بيسر ورحمة ورأفة، وكيف كان شديداً في دينه وما أمر الله به، وبعيداً عما نهى الله عنه.. إلى غير ذلك مما تحتويه السيرة العطرة وشمائله العظيمة التي هي جزء من سنته فيتلقى منها الشرع الشريف ويستنبط منها الأحكام والمواعظ والرقائق، ويتحلى بصفاته ومكارمه العظيمة، لذلك كله يكون الحرص على قراءة هذه السيرة العظيمة في مثل هذا الشهر خاصة مع أن الواجب أن تكون سيرته وشمائله حاضرة في ذهن المسلم في كل حين، ولكن ضعف المناهج التعليمية وانشغال الناس بدنياهم جعلا الكثير منهم لا يعرف ما يجب عليه معرفته من أحوال نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى يترقى إلى المراتب العلية في المحبة التي هي معيار الإيمان ودليل ثباته، وهي السبب الأكبر للفوز بنعيم الدنيا والآخرة، ويتحقق بالاتباع الذي لا يكون إلا عن معرفة، ويتخلق بخلق نبيه الذي لا يكون إلا عن تعظيم ومحبة، فكان لزاماً على كل مسلم أن تكون هذه السيرة النبوية العظيمة ركناً أساسياً من أركان ثقافته الإسلامية، حتى يكون محمدياً قولاً وفعلاً، ديناً وخُلقاً، وهو الحال الذي كان عليه السلف، فلم يكن أحد منهم يجهل شيئاً من حال نبيه عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم كانوا يتلقون السيرة كما يتلقون السورة من القرآن، ولذلك كانت كتب الحديث كلها ذات أبواب مطولة في الشمائل والمغازي والسير وأسلوب الدعوة وطريق الهداية، فتأسوا بذلك في سلوكهم ودعوتهم، ففتحوا بلاد الله الواسعة بأخلاق نبيهم وتمثلهم لسيرته، فدخل الناس في الإسلام أفواجاً، وما كان القتال إلا لمن قاتل وصد عن دين الله ومنع الناس من النور الذي أنزله الله تعالى لهداية خلقه، ولو كان القتال هو الأساس في الدعوة كما يزعم الزاعمون لم يبق في الجزيرة ولا في ديار الإسلام يهودي ولا نصراني ولا مجوسي ولا غيرهم ممن عاشوا في كنف المسلمين آمنين مطمئنين على دينهم وعاداتهم، فما أحوجنا لمعرفة سيرته والتحلي بأخلاقه وشمائله عليه الصلاة والسلام.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه. 

طباعة