التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق - الإمارات اليوم

5 دقائق

التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

انعقد مؤتمر الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم من 16-18 أكتوبر، بعنوان «التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق»، بمشاركة وفود من أكثر من 73 دولة من مختلف قارات العالم، أقامته دار الإفتاء المصرية برعاية كريمة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

وقد كان مؤتمراً حافلاً بموضوعاته وأبحاثه ونقاشه، للوصول إلى التجديد في ضوء الاجتهاد المنضبط من ذويه المتخصصين في الفقه، الممارسين للإفتاء، وقد كان اختيار هذا العنوان موفقاً، لأننا في زمان غير زمان أسلافنا المجتهدين والمفتين السالفين، الذين نصّوا على وجوب تغير الفتوى الاجتهادية - لا النصية - بحسب الزمان والمكان والعرف، بخلاف الأحكام المنصوصة التي لا اجتهاد فيها، كمسائل العبادات التي هي توقيفية، ومسائل الأحوال الشخصية والمواريث التي وردت فيها نصوص صريحة لا يدخلها الاجتهاد ولا القياس، وبعض أحكام المعاملات التي ثبتت أحكامها التفصيلية بنصوص قطعية، كحل البيع وحرمة الربا وبعض مسائل المداينات.. وبقي باب الاجتهاد مفتوحاً لكل القضايا المعاصرة التي قد لا تكون لها أمثلة سابقة، حتى يقاس عليها، فهل تترك من غير بيان حكم الله فيها؟

إنه لا تنزل بالناس نازلة، قلّت أو جلّت، إلا كان لله تعالى فيها حكم، قد يكون منصوصاً أو مستنبطاً، وقد أوكل الله تعالى بيان الأحكام الشرعية لأهل الذكر، الذين أوجب على الناس الرجوع إليهم، وأوجب على أهل الذكر البيان وعدم الكتمان، وقد يكون الرجوع إلى آحادهم، أو المجموع منهم، أما الرجوع إلى الآحاد فذلك في ما استقر الإفتاء فيه مما عمل فيه مجموع المجتهدين في المجامع الفقهية والمؤتمرات العلمية المتخصصة، التي تمحصّ فيها الرأي الفقهي الناضج المدرك للحال والمآل.

وما لم يستقر فيه رأي جماعي يتعين طرحه مرة بعد أخرى حتى ينضج تصوره، وتنزيل الحكم الشرعي عليه، وهذا الاجتهاد الذي عُني المؤتمر بالتأصيل له في أطروحاته ونقاشاته المفيدة، في القضايا الطبية والأسرية والمالية وحقوق الإنسان والشأن العام والدولة، وما صاحب ذلك من ورش عمل تعالج القضايا المطروحة والمتوقعة.

إن هذا الجهد الجبار المفيد يستحق العون والثناء، لأن المشكلة الكبيرة التي نعيشها اليوم هي مشكلة فتوى، حيث تصدّر لها من منابر إعلامية وغيرها غير المتخصصين ممن ضل وأضل، وفتن العامة والخاصة باسم الدين، وسبب ذلك غياب الجهد التأصيلي للفتاوى تأهيلاً وتنزيلاً، فغاب عن الساحة المؤهلون وتصدّر من شاءت له نفسه التصدر لهذا المقام الجليل الخطير، بسبب الزخم الإعلامي المتاح الذي لم يراعِ أصول المهنة، ولا راعى حقوق المجتمع في ما يطرح عليه، وغاب فيه حسن التنزيل من أولئك الذين ظنوا أن المسائل المعاصرة المستجدة تُنزّل عليها الفتاوى والأحكام السابقة، من غير تصور تام ولا معرفة الأسباب والشروط والموانع والرخص والعزائم، وما يحتمل القياس وما لا يحتمله، وما يصلح في بلد دون آخر، وما تغير فيه العرف مما لم يتغير، كل ذلك مما يجب أن يكون حاضراً في ذهن من يريد التصدر للفتوى، حتى لا يقول على الله تعالى بغير علم فينال إثماً كبيراً، ويفتن الناس في دينهم ودنياهم.

إن باب الاجتهاد في الإسلام مازال ولن يزال مُشرعاً لمعالجة كل جديد ينزل في ساحة العمل، وعلى أهل الاختصاص من العلماء والفقهاء ومن يحتاج إلى تصوير المسائل من غيرهم - من سياسيين أو أطباء أو قانونيين أو اقتصاديين أو نحوهم - عليهم تصوير النوازل وتكييفها بأسبابها وحاجة الناس إليها، ومدى تأثيرها إيجاباً أو سلباً، عليهم جميعاً أن يقوموا بواجبهم نحو الأمة ببيان ما تحتاج إليه من بيان، حتى تكون على بينة من أمرها، وتتبع الحق، ولا تتبع أصحاب الأهواء الذين ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، وعلى المؤسسات الإعلامية أن تراعي حقوق المستمعين والمشاهدين والقراء، من وجوب حمايتهم واحترام عقولهم حتى لا تتكرر المآسي، أو يبقى الفراغ المعرفي لما يتعين علمه هو المتاح للمسلم.

باب الاجتهاد في الإسلام مازال ولن يزال مُشرعاً لمعالجة كل جديد ينزل في ساحة العمل.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة