5 دقائق

صكوك الغفران

خالد السويدي

ظهرت صكوك الغفران للمرة الأولى في القرن الثالث عشر، والتي سمحت لرجال الكنيسة بتطهير الشخص من الذنوب وإعفائه من العقاب على الخطايا، مقابل مبلغ مالي يدفعه للكنيسة، لتتحول بعدها إلى تجارة رائجة دفع ثمنها السُذج والجهلة سعياً إلى المغفرة والتطهير من الذنوب، واستمرت سنوات طويلة حتى تمت الثورة على الكنيسة، لتنتهي حقبة مظلمة من التاريخ في أوروبا.

الاختلاف في الرأي ظاهرة صحية لا تعني توزيع صكوك الوطنية على من يتفق معي ونزعها عمن يختلف معي.

انتهت صكوك الغفران في أوروبا إلا أنها في هذا الزمان تتنوع وتتغير حسب المكان والزمان والمصلحة، فلم يعد صك الغفران شبيهاً بذلك الذي كانت تصدره الكنيسة بل تحول إلى صك وطني على مبدأ: إن لم تكن معي فأنت ضدي، وإن كنت ضدي فأنت لست وطنياً!

في بيئة العمل هناك نوع مشابه لصكوك الغفران، إذ لابد أن تجد تلك النوعية التي تعد من شلة المدير، إن لم تسايرها وتتفق معها فلن تحصل على أي ترقية أو ثناء، وأما إن كنت تسايرها وتطبل لها فهذا كفيل بأن يرفع درجات التقييم، وتحصل على صك الكفاءة بامتياز.

لا يختلف الأمر في موضوع التيارات الفكرية والسياسية والدينية، عندما يكون أحدهم منسوباً إلى تيار معين، فمن الطبيعي أن يتغاضى من معه عن زلاته وشطحاته، بل يختلقون بدل العذر الواحد ألف عذر، على العكس من ذلك يتصيدون الزلة لكل مخالف، لا يتركون كبيرة ولا صغيرة إلا أحصوها، فالموضوع ليس مبنياً على منطق ومبدأ أخلاقي بقدر ما هو مبني على مصلحة فردية وشخصية بعيدة كل البعد عن أي اعتبار أخلاقي.

عندما نختلف على بث برنامج معين أثار استياء المشاهدين، أو على كاتب شطح وروج لأفكار خطيرة، أو على مسلسل تم التطاول فيه على الصحابة؛ فلا يعني هذا أن المعترض لديه أجندة، وأنه يعمل ضد الوطن ويحارب مؤسسات الدولة، ولا يعد ألعوبة في أيدي جهات خارجية تحركه كيفما تشاء.

النغمة النشاز التي انتشرت واستفحلت بشكل استفزازي في كل قضية خلافية باتت كريهة ومنفرة، تعلموا أن الاختلاف في الرأي ظاهرة صحية لا تعني توزيع صكوك الوطنية على من يتفق معي ونزعها عمن يختلف معي، لنتعود أن نتقبل الآخر دون تمييز أو إقصاء أو تخوين طالما كان ذلك في حدود القانون وحرية التعبير، نختلف مع بعض لكن نتفق على حب الوطن.

Emarat55@hotmail.com

Twitter: @almzoohi

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة