5 دقائق

المستقبل واقتصاد الآلات

عبدالله القمزي

عام 1931 وفي ذروة أزمة الكساد العظيم، قال الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز إن الكساد مؤقت، وتوقع أنه بحلول عام 2030 لن تعمل الناس أكثر من 15 ساعة أسبوعياً، وستخصص بقية الوقت للتسلية.

«مازلنا نعيش زمناً

سريع التغيّر، وما صلح

قبل خمس أو 10

سنوات لا يصلح

بالضرورة اليوم».

كينز كان محقاً في توقع تعافي الاقتصاد، لكننا اليوم - أي قبل توقع الرجل بـ13 عاماً - نعمل أكثر من 15 ساعة أسبوعياً. مازلنا نعيش زمناً سريع التغيّر، وما صلح قبل خمس أو 10 سنوات لا يصلح بالضرورة اليوم.

أحدث الإبداع التقني تغيراً جذرياً في طريقة عملنا، لكننا لسنا بالضرورة متجهين إلى حالة الرفاهية التي تخيّلها كينز.

تقدمت البشرية بشكل مخيف، لكن تحديداً في الثمانين عاماً الماضية تحوّل التقدم إلى ثورات تقنية. التقدم البشري مر بخمس ثورات، أهمها المرحلة الأخيرة التي حدثت قبل 50 عاماً.

الأولى كانت الثورة المعرفية، فمنذ 70 ألف عام ظهرت اللغات بين البشر، وتولّد التواصل وتخزين المعارف.

الثانية كانت الثورة الزراعية منذ 11 ألف عام، وهذه ساعدت في إحداث تغيير في السلوك البشري، حيث تحضّر البشر بتقليل الاعتماد على صيد الحيوانات والتوجه إلى زراعة المحاصيل، وظهرت طبقة الفلاحين والتجار.

الثالثة كانت الثورة العلمية التي انطلقت من بلاد المسلمين منذ 1000 عام وتبنّتها أوروبا منذ 500 عام، وبسببها حققت تطورات على الأصعدة كافة مكّنتها من استعمار العالم.

الرابعة كانت الثورة الصناعية التي حدثت منذ 250 عاماً، وهي من إفرازات الثورة الثالثة.

الخامسة كانت الثورة المعلوماتية والاتصالات، التي هي أيضاً من إفرازات الثورتين الثالثة والرابعة، وانطلقت منذ 50 عاماً فقط.

في كل مرة تتقدم البشرية إلى الأمام تتبدل مئات الوظائف أو تتغير أساليب أدائها، المزارع صار بديلاً عن الصياد، محركات البخار حلت مكان العمالة البشرية. ومع كل تقدم تقني تشهد البشرية نمواً اقتصادياً موازياً وتحسناً في حياة الناس.

تستطيع الآلات أن تأخذ الكثير من الوظائف، حتى تلك التي تتطلب صنع قرار بناءً على معلومات محدودة جداً، وليس فقط الوظائف المعتمدة على الروتين.

لو تمت أتمتة نصف العمالة البشرية خلال العشرين عاماً المقبلة، كما هي التقديرات، فهناك سيناريوهان متوقعان لشكل الخلل الذي سيصيب سوق العمل:

الأول، حقبة بطالة وانعدام استقرار اجتماعي: لو أنجزت الآلة عمل ساعة موظف واحدة تقدّر بدولار مثلاً، فإنه في سوق عمل مفتوحة، لن يعرض أصحاب العمل وظائف براتب يتجاوز دولاراً واحداً، بالتالي على الموظفين التنازل وقبول رواتب أقل.

والثاني حقبة الوفرة والسعي وراء أعمال إبداعية: في هذا السيناريو يصبح الاقتصاد محتكراً من قبل المخترعين، ويقل الطلب على العمالة البشرية، وتتسع الفجوة بشدة بين المبتكرين وبقية الشرائح، وهنا يأتي دور الحكومات للتدخل وإصلاح الخلل.

ختاماً: رغم حتمية التقدم التقني في الاقتصاد إلا أن البشر يواجهون صعوبة في تخمين حجمه وشكله. لو كانت لدينا آلة زمن ونقلنا عبرها شخصاً من القرن الأول إلى الثالث أو من الرابع إلى السابع، فلن يواجه هذا الشخص مشكلة في فهم العالم. لكن لو نقلنا هذا الشخص من القرن الـ18 إلى القرن الـ20 فلن يستوعب أبداً حجم التغييرات ودرجة التطور التي وصل إليها العالم، بل قد يظن أنه في كوكب آخر غير الأرض.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

تويتر