5 دقائق

الغوطة والضمير الإنساني الميت

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

لم يكن الضمير الإنساني في زمن مّا أكثر موتاً منه الآن؛ فقد كان يوجد فيه رمق حياةٍ أحياناً لبعض حوادث وكوارث العالم، لاسيما الحوادث البعيدة عن العالم الإسلامي، إذ كان يشجب ويندد وينكر ولا يقر.. مما يوحي للظالم الغاشم بشيءٍ من الرهبة وإعادة حساباته أحياناً، لكنه اليوم وهو يرى المجازر الوحشية من قِبل ذئاب بشرية من نوازع شتى ليس فيها ذرة من إنسانية؛ تدمر كل شيء من البشر والحجر والشجر تلذذاً في القتل، وهواية للإبادة، وتسَلِّياً بجماجم البشر، وتلهِّياً بالفساد في الأرض؛ كل ذلك والعالم أجمع يشاهد ويسمع ولكنه يرى أن ذلك لا يعنيه شيئاً، وهذا هو موت الضمير الإنساني حقاً، إذ لو كان فيه ذرة من حياة لتحرك قليلاً دفاعاً عن الكرامة الإنسانية التي يشترك فيها البشر قاطبة، فإن في ذلك إحياءً للنوع الإنساني الذي هو مسؤولية الجميع، فما لهذا العالم لا يفعل شيئاً وهو يعيش حِقبة الحضارة الإنسانية الزاهية، وينظِّر لحقوق الإنسان والحيوان والبيئة والكائنات الحية؟!

إن الحالة الاستثنائية التي تعيشها الغوطة الشرقية بسورية توجب على كل إنسان أن ينهض بجد لوقف ذلكم الدمار الكبير، والفناء المستطير الذي تفعله قوى الاستكبار من الداخل والخارج بأناس أبرياء لا حول لهم ولا طول، والذين مازالت الحرب الضروس تطحنهم من بضع سنين حتى أريد الإجهاز عليهم كلية، وإخراجهم من ديارهم قسراً لتغيير ديمغرافي في أرضهم وديارهم، ومثل هذا لم تفعله إلا العصابة اليهودية في فلسطين في منتصف القرن الماضي - ولا زالت تفعله - أو ما جرى للهنود الحمر في القارة الأميركية، وما يجري الآن للمسلمين الروهينغا، وكل ذلك يعتبر عملاً إجرامياً في الشرائع السماوية والنظم والأعراف الدولية.

وقد قامت بعض الدول مشكورة بتجريم تلك الأفعال الشنيعة، إلا أنه عمل فردي، فلم يردع المجرمين الذين يعيثون في الأرض فساداً ويهلكون الحرث والنسل، فكان لا بد من تحرك جماعي لأطره على الحق أطراً، حماية للناس من تلك الإبادة بأسلحة الدمار الشامل المحرمة دولياً وغيرها من الأسلحة التقليدية، وهو ما نادت به دولة الإمارات العربية المتحدة على لسان مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة حيث صرح بأن «أولويات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في هذه الآونة هو تركيز جهودها على فك الحصار المفروض على المدنيين، والعمل على إنقاذ ما تبقى من سكان الغوطة من خلال الإسراع في فتح ممرات آمنة لخروج المدنيين من مناطق الحرب، والسماح غير المشروط لوكالات الإغاثة الدولية وغيرها من المنظمات الإنسانية بالإجلاء الطبي لجميع المصابين، وإيصال المساعدات دون أي عائق إلى الغوطة، فضلاً عن تسيير المرور والوصول الآمن للمساعدات الإنسانية وموظفي الوكالات الإنسانية والطبية وفقاً لقرار مجلس الأمن المذكور».

فهذا هو مفتاح الحل لهذه الكارثة الإنسانية التي يشهدها العالم، وهو مسؤول عنها.

إن حل مشكلة سورية لن يكون بمثل هذا الدمار والإبادة، بل لن يكون إلا حلاً سياسياً في ظل المرجعيات التي سنتها المنظمة الدولية، وأسهمت فيها الدول الخيِّرة، فهذا ما يعرفه النظام السوري الباطش والمعارضة المشتتة، فما بالهم لا يرعوون ولا يختشون من لعنة التأريخ إن لم يخافوا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، الموعود بها قتلة الأبرياء، أما كفاهم فحشاً هذا التدمير، وخزياً تشتيت أكثر من 5 ملايين من الشعب السوري الأبي؟! إن هذه أرضهم وتلك ديارهم وأولئك إخوانهم، فإذا لم يستفيقوا من غيهم ويجلسوا في حوار بنَّاٍء لإطفاء هذا الحريق وإخماد ذلكم الحمَم؛ فمن الذي سيقدر عليه؟ ها هي الإرادة الدولية مفقودة - ولا أقول عاجزة - لأنها لم تفعل شيئاً حتى تعجز، فهل سيظلون في مثل هذا الفتك الدامي إلى أن يتفانوا وتعود سورية الجميلة أرضاً محروقة، فمن الذي يَحكم عندئذ ومن الذي يُحكم؟! إن المسؤولية كبيرة والمساءلة عظيمة، فمن الذي يتقي الله فيها؟ وقد كانت الفتنة نائمة وملعون من أيقظها كما ورد.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة