الإمارات اليوم

5 دقائق

تدفق الخير من معدنه

الخير اسم عام لكل معروف يحبه الله تعالى، وقد قرن الله تعالى الخير بجميع أصناف العبادة كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ليدل على أن الخير اسم جنس يدخل تحته أنواع كثيرة.

وها نحن ختمنا عام الخير 2017 بخير وفير، وجهد كبير، وعمل دائب غزير، ليعقبه عام 2018 عام زايد الخير، فيستمر العطاء، ويتدفق النماء، ويسعد الكثير من الناس في الأرض ويكتب في السماء، وهكذا يكون تدفق الخير من أهل الخير الذين جعلوا أزمانهم وأموالهم وأفعالهم في خدمة الإنسانية؛ لأن معدنهم معدن خير، فلا غرابة في استمرار تدفقه منهم، فإن الشيء من معدنه لا يُستغرب، وكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ.

إن عام زايد الخير هو في الحقيقة إحياءٌ لذكراه بأفعاله، وما كان يحب أن يذكر به؛ فإنه كان قد سخر عمره وماله وجهده لفعل الخير، فكان من البر به أن يتوج هذا العام باسمه المبارك على شعبه وأمته، ليكون حافزاً على التأسي به في فعل الخير الذي يحفظ الله به البلاد والعباد، ويبقى ذخراً للمرء إلى يوم المعاد.

ولئن كان العام المنصرم قد خرج بحصيلة مباركة، تضمنت مشاركة نحو 275 ألف متطوع ومتطوعة من مختلف أنحاء الإمارات، وتسجيل 2.8 مليون ساعة تطوع، واعتماد 5 تشريعات جديدة، واستراتيجيتين وطنيتين طويلتي الأمد، و10 أنظمة مُستدامة في المسؤولية المجتمعية للشركات، وتطوير الدور التنموي للمؤسسات الإنسانية، والتطوع، في حين أسهمت الشركات ضمن مسؤوليتها المجتمعية في مبادرات عام الخير وفعالياته بـ1.6 مليار درهم؛فإن عام زايد الخير سيكون أكثر فاعلية في تفعيل دور الخير في بلد الخير من أهل الخير؛ لأن الأسوة المباركة تحفِّز على التفاعل الإيجابي في المبادرة الكريمة التي جاءت من ولد بار وحاكم عادل، إنه صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد، حفظه الله ورعاه، وبقدر حب أهل الإمارات لزايد الخير وخليفة الخير سيكون تفاعلهم مع عامه المبارك.

إن ذوي الهمم العالية في حب الخير لا يكفيها أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة الأولى عالمياً في المساعدات الإنسانية بالنسبة لدخل الفرد، حيث جاءت للعام الرابع على التوالي ضمن أكبر المانحين الدوليين، قياساً بدخلها القومي، واحتلالها للمركز الأول عالمياً للعام 2016 للمرة الثالثة، فإن هذا وإن كان محل فخار للإمارات، إلا أن ذلك لا يكفي، فإنه «لا يشبع المؤمن خيراً حتى يكون منتهاه الجنة» كما ورد، فلا بد أن يكون الخير منهمراً بكل صوره عطاءً مادياً وخدمياً وعلمياً وطبياً وتقنياً وخدمات مجتمعية، وكل ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وهذا ما سيترجمه عام زايد الخير، فإن زايداً كان جامعة للخير، فما من سبيل يمكن أن يوصِل إلى خير فينفع الناس أو الحيوان أو البيئة إلا سلكه الشيخ زايد، طيب الله ثراه، فأياديه الحية شاهدة على ذلك محلياً وعربياً وعالمياً، فليكن هذا العام كذلك، فستمتد جسور الإغاثة إلى المنكوبين أينما كانوا، وأبواب التعليم ونوافذه ستفتح في كل بلد، ودواء المرضى وعلاجهم سيصل إلى المحتاجين أينما كانوا، وبيوت الله ستشيد في أرض الله الواسعة، ليرفع فيها ذكر الله ويُعلى شأنه سبحانه، ومفاتيح المحبة والإخاء والسماحة الإسلامية ستفتح القلوب والعقول المقفلة، والتواصل الحضاري سيفتح آفاق التعاون بين الأمم.. وهكذا سيكون عام زايد محملاً بكل معنى جميل، مؤثَّلا بالنهج الأصيل الذي رسمه زايد رحمه الله منذ أن تربَّع على عرش الدولة عام 71 من القرن الماضي، وهو النهج الذي نشّأَ أبناءَه عليه وغذاهم به، حتى أصبح الخير طبعاً ثانياً لهم، والطبع لا يتغير، فما أحراهم بقول شاعر النيل رحمه الله:

ويهُزُّني ذكر المروءة والندى

                           بين الشمائل هزةَ المشتاقِ

فإذا رزقتَ خَليقةً محمودةً

                            فقد اصطفاك مقسِّم الأرزاقِ

والناس هذا حظُّه مالٌ وذا

                            علمٌ وذاك مكارم الأخلاقِ.

رحم الله زايد الخير وجعل له لسان صدق في الآخِرين.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .