الإمارات اليوم

لحظة

«هل العالم تافه حقاً؟»

:

أجريتُ استبياناً سريعاً نَشرْتُه في مجموعة من منصات التواصل الاجتماعي - أي إنه ليس علمياً ولا حتى دقيقاً - سألتُ فيه الناس إن كانوا يعتقدون بأن العالم تافه حقاً، فكانت الإجابات الطاغية بـ«نعم». جَرِّب أن تقضي يوماً تتصفح فيه إحدى تلك المنصات لتُدرِكَ أن الذين أجابوا بنعم لم يكونوا منفعلين، بل متابعين تملؤهم الغصّة من كثرة التفاهة التي تملأ العالم، فيكفي أن ينشر أحدهم تغريدات عدة في قضية سياسية ما حتى يُقال عنه إنه «محلل سياسي»، رغم أنه لم يقرأ كتاباً واحداً في التاريخ أو السياسة، ولم يتابع تقارير ومقالات المحللين السياسيين في الصحف والمجلات، فكل ما يعرفه عن القضية التي أصبح خبيراً فيها استقاه من «تويتر» وبقية منصات «السوشيال ميديا». لا أقصد شخصاً بعينه بهذا الكلام - حتى لا يُحمّل كلامي ما لا يحتمل كالعادة - لكنني مثل كثير منكم، مستاء جداً من انخفاض الوعي الاجتماعي الذي يُطلِق ألقاباً كفيلسوف وخبير ومحلل وإعلامي على أي شخص لأنه يتحدث في قضية ما كل يوم، بعلم أو من دون علم، أو ربما لأنه يقول كلاماً غير مفهوم. مستاءٌ لأنني التقيتُ شاباً في إحدى الدول العربية قبل أيام فسألني: «مِن أين أستقي المعرفة؟ وكيف لي أن أعرف من يستحق أن أقرأ له وأتابعه؟». صمتُّ دقيقة بعد سؤاله، فأدركَ حَرَجي وقِلّة حيلتي، فقال: «كُتُبنا تفاهة، مقالاتنا تافهة، تغريداتنا تافهة، كيف لي أن أعرف شيئاً!».

لا أعرف يا صديقي العزيز، فلقد أدرتُ ظهري لكثير من النصوص العربية المعاصرة، ليس لأني أفضل منك أو منهم، بل لأني خائف أكثر مثلك من أن تسلبني كل تلك التفاهة ما تبقى من عقلي ووعيي.

شاهدتُ لقاءً تلفزيونياً جمع طه حسين مع مجموعة من أساتذة الأدب والفلسفة في مصر، كنجيب محفوظ ويوسف السباعي وعبدالرحمن بدوي، فقال لهم في ثنايا الحديث: «أتمنى من الكُتاب الجدد أن يقرؤوا بمقدار ما يكتبون، وأن يقرؤوا قبل أن يكتبوا. وآخُذُ عليهم أنهم قليلو القراءة جداً، ولا يحبون أن يتعمقوا شيئاً. (...) وعلى كل حال، ما يكتبونه لا يدل على ثقافة واسعة ولا عميقة». توقفت بعد هذه الكلمات وتساءلتُ: لو قرأ طه حسين ما يُكتب اليوم فماذا كان سيقول؟ لا يعني هذا أن الإنتاج الأدبي والفكري في السابق أفضل من اليوم، فلستُ ممن يمجدون الماضي، لكنني أظن أن مستنقع التفاهة الذي يرتعُ فيها العقل العربي اليوم يفوق الوصف.

أعرفُ مجموعة من المثقفين أصيبوا بالإحباط لطغيان التافه على العميق، حتى إن صديقي الروائي الإماراتي النبيل سلطان فيصل الرميثي قال لي مرة إنه يفكر في ترك الكتابة الأدبية، لأن العقل العربي في خضم «خبراء وأدباء» السوشيال ميديا، وسيل التفاهات الفكرية الطاغية، لم يعد قادراً على احتمال أي نص عميق، أو فكرة فلسفية.

من الحِكَم التي أؤمن بها في الحياة، تلك التي تقول إن وعيك يساوي متوسط وعي الأشخاص الخمسة الذين تقضي معظم وقتك معهم. فإذا كان كل شخص حولك تافهاً، وكل نص تقرؤه تافهاً، وكل مسلسل تتابعه تافهاً، وكل مقطوعة موسيقية تسمعها تافهة، فلابد أن تتحقق مقولة الروائي الإسباني كارلوس زافون: «لن يفنى العالم بسبب قنبلة نووية، كما تقول الصحف، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة التي ستحول العالم إلى نكتة سخيفة». أعتذرُ لك عزيزي القارئ لأنك اضطُرِرْتَ لقراءة هذا المقال التافه.

yasser.hareb@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .