الإمارات اليوم

أبواب

كيف تصبح وطناً؟

:

مع الارتفاع الجنوني للأسعار والضرائب وفوقها تسعيرة البترول الشهرية، التي صارت مثل العمر تتقدّم ولا تتراجع.. ترى ماذا سيحلّ بنا بعد عشر سنوات مثلاً لو ظل العيش على هذا الإيقاع؟

الحياة المثالية مقوماتها بسيطة: بيت خشبي مبنيّ فوق شجرة، عنزة حلوب، تسع دجاجات وديك، وبقرة تسرّ الناظرين.

يعجبني المسلسل الكرتوني «فلونة روبنسون»، عندما وجدت العائلة نفسها في جزيرة نائية، وبدأت تتكيّف مع الوضع الجديد.. نحن أيضاً علينا أن نتكيف مع الوضع الجديد، وأن نعتبر ما مرّ من أيام مرفهة مجرّد شهر عسل طويل أو إجازة بين شقاءين لا أكثر.. طبعاً هذا التقشّف والتكيّف ليس اختياراً أو مسابقة تلفزيونية لقياس القدرة على التحمل، وإنما هو اضطراري إجباري، بسبب الأزمات الاقتصادية التي تضرب دول العالم جميعها دون استثناء.

الحياة المثالية مقوماتها بسيطة: بيت خشبي مبنيّ فوق شجرة، عنزة حلوب، تسع دجاجات وديك، بقرة تسرّ الناظرين، بارودة، سراج، وقطعة أرض فارغة تقسّم على شكل مستطيلات تزرع فيها الطماطم والبطاطا والذرة والقمح.. بهذه العناصر البسيطة تستطيع أن تعيش حياة هانئة، كل مدخلاتها من إنتاجك أنت، وكل مخرجاتها من إخراجك أنت أيضاً، دون أن يهدّدك أحد أو تخشى أحداً أو ترجو أحداً أو تقلق من تقلبات السياسة والاقتصاد في بلدك أو حول العالم.. بالمناسبة آباؤنا عاشوا بمثل هذه الأجواء، لذا كانوا الأقل توتراً والأقل فزعاً وضنكاً، كانوا يعيشون إنسانيتهم كما يجب، ويعلكون أعمارهم على مهل، في صباحات الشتاء يذهبون إلى السهول يبذرون الحبوب في الأرض، ويرجون الله أن يمطرهم ليعيشوا، في بيوتهم كانت زرائب الأغنام والأبقار يعلفونها، يحلبونها، يستهلكون حاجتهم ويبيعون الفائض، طحينهم في بيوتهم من إنتاج قمحهم، الخبز في البيت، والبيض من إنتاج دجاج الدار، والسمن والزبدة والجبن وبعض الخضار كلها إنتاج «الحوش». في الصيف يحصدون المحاصيل، يستهلكون حاجتهم، ويبيعون الفائض، ويدخّرون القشّ والتبن لإطعام أنعامهم في الشتاء.. وهكذا تستمر دورة الحياة.. صحيح أن الجهد البدني كبير، لكن الجهد الذهني قليل، وبالتالي لا جلطات ولا سكتات دماغية، ولا اكتئاب ولا سكري، الآن جهد بدني قليل، وماكينة دماغية لا تهدأ، فصوت مذيع الأخبار يرافقنا إلى وسائدنا، وبالتالي السكتات الدماغية أكثر من الخلافات العربية العربية.

الملخص، كلما زادت بساطة الحياة وقلّت تعقيداتها قل تأثرها بتقلبات المحيط، وكلما زاد الاعتماد على الذات في الإنتاج والعيش وتدبير الشأن اليومي أصبح الإنسان وطناً بحدّ ذاته، محصّناً من جنون السياسة والاقتصاد وضيق الحياة.

شئنا أم أبينا سنرجع إلى الأرض يوماًَ.. فلنرجع إليها أحياء، قبل أن نرجع إليها أمواتاً.

ahmedalzoubi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .