الإمارات اليوم

5 دقائق

اللغة العربية حقها وعوامل ثباتها

اللغة العربية لساننا المبين، وهويتنا المجيدة، وأسلوب ديننا العظيم، ومنهج شريعتنا الخالدة، وتراث أسلافنا العريقين، ومستقبل أبنائنا، وعزّ شعوبنا، وفوق ذلك كله هي لغة كتاب ربنا سبحانه، وسنة نبينا صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

هذه اللغة العظيمة التي احتفينا بها في 18 من ديسمبر، تسألنا بلسان حالها سؤالاً واضحاً: هل يكفي أن تحتفلوا بي، وتتغنوا بمجدي، وتشيدوا بحسني، وتفاخروا بمفرداتي وكثرة كلماتي يوماً واحداً من العام، بينما تمرّ عليكم 363 يوماً وأنتم عن كل ذلك غافلون، وعلى ضراتي مقبلون، وعن فصاحتي لاهون، وعن جمالي معرضون؟!

إنه سؤال واقعي محرج، وسؤال عاتب محب، ولولا محبتها لنا لما عتبت علينا، وكما قال علي بن الجهم:

أعاتب ذا المودّة من صديقٍ * إذا ما رابني منه اجتنابُ

إذا ذهب العتابُ فليس ودٌّ * ويبقى الودّ ما بقي العتابُ

إن واجبنا معاشر العرب خصوصاً والمسلمين عموماً أن نعرف لهذه اللغة حقها علينا ونؤدي الواجب علينا نحوها.

أما الحق فهو الاعتزاز بها لأمور كثيرة:

أولها أنها لغة الكتاب العربي المبين، الذي نزل ليكون ذكراً لنا معشر العرب خصوصاً، والمسلمين عموماً، كما قال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} أَي: الْقرآن شرف لك ولقومك {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} عن شكر هذه النعمة، كما قال المفسرون.

ومعلوم أن شكر النعمة واجب بالعقل قبل أن يوجبه الشرع، فمن لم يشكر كان أجدر بذهاب النعمة عنه.

ثانيها أن معرفتها تفتح لنا آفاق المعرفة لكتاب ربنا سبحانه، فنستنبط منه الأحكام والحكم والبلاغة والأسرار و غير ذلك، فهو جامع لكل شيء، كما قال سبحانه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} وكما قال بعضهم:

كتاب الله يحوي كل شيءٍ وسنةُ أحمد المختار شرحُه

ثالثها أنها هويتنا وأصل أرومتنا، والمرء الحر لا يتنكر لهويته الثقافية، ولا لأصله البيولوجي، بل يظل وفياً لذلك مادام حياً، فإن تنكر لأصله كان ذميماً عند غيره، ولا ينال الحظوة التي يرومها.

رابعها أن نتذوق جمال آدابها، وحسن سبكها، ونصاعة لفظها، فهي اللغة الوحيدة بين اللغات غير ذات عوج في اللسان، العذبة البيان، الشهية للآذان، وكما قال الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى: من تعلم اللغة رقّ طبعُه.

أما الواجب لها فكثير أيضاً، وأهم ذلك ما يلي:

أولاً أن نحافظ عليها نطقاً وكتابة، ونجعلها أساس تعاملنا وتخاطبنا، ولغة دواويننا؛ لأن تركها واستبدالها بلغات الشعوب الأخرى يعتبران هزيمة، وذوباناً في دخيل، فيكون المرء هجيناً غير أصيل.

ثانياً أن نحافظ على قواعدها الإعرابية والصرفية، أعني أحكام الإعراب وأبنية الكلِم؛ فلا نجور عليها بالعامية، فإن ذلك يفقد معرفة مدلولاتها الشرعية والأدبية، وقد كان ذلك الجور سبب وضع قواعدها من لدن سيدنا الإمام علي، رضي الله عنه، وأبي الأسود الدؤلي، رحمه الله.

ثالثاً أن نعطيها حقها من القراءة والمطالعة، لاسيما كتب الأدب القديمة من مراجع ومصادر، شعراً ونثراً، حتى لا نستغرب الألفاظ، ولا تغيب عنا معاني الكلمات.

رابعاً أن يكون حظها من مناهج التعليم وافراً، قواعد وصرف وبلاغة - معاني وبياناً وبديعاً - ونصوصاً، شعراً ونثراً وحكماً وأمثالاً، ومطالعة وقصصا واقعية، وصوراً تخيلية هادفة، بأسلوب جذاب.

فهذه بعض عوامل الحفاظ على هذه اللغة العظيمة الجميلة التي امتازت بكثرة مفرداتها، إذ تبلغ نحو 12.300.000 كلمة، ويتحدثها أصالة نحو 500 مليون، وتبعياً المسلمون أجمعون، ولو بأدنى مستوى، وهو ما تيسر من القرآن الكريم الذي هو بلسان عربي مبين.

إن الجهود المبذولة للمحافظة على لغتنا العربية وإحياء ما اندرس منها، هي جهود مشكورة، وينبغي أن تكون متواصلة، ومفعّلة في التطبيق التعاملي والأدبي والفني حتى تؤتي ثمارها، فإن عولمة التكنولوجيا بلغاتها تغزونا بعنف، فإن لم نحافظ على لغتنا سنكون حتماً من الخاسرين، وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .