الإمارات اليوم

5 دقائق

ماذا يعني نقل السفارة إلى القدس

ماذا يعني نقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية لدى الكيان الصهيوني المحتل والغاصب في عرف القانون الدولي، من تل أبيب - المحتلة - إلى عاصمة ومدينة إسلامية مقدسة، نراها نحن المسلمين حرماً ثالثاً، وإليها نشد رحالنا تعبداً إن استطعنا إلى ذلك سبيلاً؟

إن ذلك يعني استفزاز مشاعر الأمة الإسلامية العظيمة، التي تقدّر بنحو ثلث البشرية، الأمة التي ستتميز من الغيظ أن يُمكن عدو مغتصب من مدينتهم المقدسة بمنطق الكبرياء، ليفرض أمراً نبذته قوانين العدالة التي سنتها البشرية في أممها المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وهي القوانين التي تنظِّم علاقات الدول، وتنشد العدالة، وتمنع الظلم والجور والقوة المقيتة على ضعفاء الشعوب.

إن ذلك يعني دعم ما اجتمعت الدول على محاربته وهو الإرهاب البغيض الذي يقضُّ الأمن، ويمنع الاستقرار، ويحطم آمال الشعوب، وقد كاد يلفظ أنفاسه الأخيرة باجتماع الكلمة على محاربته، ومثل هذا الاستفزاز سيكون محفزاً لمن يتمكن من الانتقام بما استطاع فعله، تشفياً بعدوه ونصرة لوليه، وسيكون كما قال شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين فاتحاً لأبواب جهنم، التي وقودها الناس والحجارة.

إن ذلك يعني أن الإرهاب لم يكن وليد نفسه، بل كان محركاً من غيره، مصنوعاً على عينه، ومؤيداً بمالٍ وعتادٍ وتخطيطٍ ونظامٍ من قبل الدولة العظمى، التي تنقل اليوم سفارتها إلى عاصمة إسلامية، وقد كان يسمى مثل هذا القول إشاعة غير مؤيدة بحقائق ولا دلائل، فإن هذا الفعل يعتبر أكبر دليل على أن الإرهاب مصنوع في الخارج، وليس مطبوعاً في وجدان الشعوب الإسلامية.

إن ذلك يعني أن الإرهاب ليس قاصراً على أفعال الأفراد، والذي يودي بحياة أفراد، بل هناك إرهاب هو أشد وأنكى، إنه إرهاب الدول العظمى الذي يقوّض الدول الصغرى، ويرهب ثلث البشرية تقريباً، فأي الإرهاربَيْن أجدر بالتنديد والمحاربة في نظر محاربيه؟!

إن ذلك يعني أن الدول الإسلامية الـ57 المنضوية في منظمة التعاون الإسلامي حصراً، وفي الأمم المتحدة بعضاً، ليست محل اعتبار عند من يملك القوة العسكرية والصناعية، وإن كانت قوة هذه الدول بشرياً ومالياً قادرة على صنع المستحيل لو كانت تملك الإرادة الموحدة، فلم يكن هذا العدد رادعاً، ولا المال مانعاً من تنفيذ ذلكم الاستفزاز غير الأخلاقي من رئيس دولة عظمى، لم يُخف عداءه البغيض للمسلمين من أول كلمة ينبسها في حملته الانتخابية.

لقد كان لك أسوة يا سيادة الرئيس بمن سبقك من زملائك في بيتك الأبيض، الذين تعاموا عن هذه الخطوة المشينة لدولتك العظمى، والتي هي وصمة الأبد على سياستك غير الحميدة، فهل انتقال سفارتك سيغير حقيقة القدس الإسلامية، ويمحو مسجدها الأقصى ومساجدها العامرة بذكر الله تعالى والركع السجود؟

كلا والله، فإن في أكنافها مرابطين إلى يوم يبعثون، كما أخبر الصادق المصدوق، صلى الله عليه وآله وسلم.

إن ضم العدو الصهيوني والربيب المدلل للدولة العظمى للقدس الشرقية عام 1967 لم يعن شيئاً للمسلمين أجمعين، فإن القانون الدولي يجرّم مثل ذلك، ولا يعتبر له وجوداً، ولا يرتب عليه أثراً، فنقل السفارات لا يعني تغيير القانون الدولي العام، وإنما يعني إشعال نار الفتن، وإذكاء نزعة الكراهية للعدوان والاحتلال، وما هكذا تكون سياسة الدول العظمى، التي من المفترض أن تكون راعية للعدالة، ومُحبة للسلام، وحامية للضعفاء.

إن الاستنكار العالمي من قبل الدول الإسلامية والأوروبية وغيرها لهذه الخطوة غير الموفقة لهو خير دليل على أن سياسة القوة غير مقبولة، وأن الحق سيعود إلى أهله، طال الزمان أم قصر، فسنة الله في الكون أن الحق يُزهق الباطل، وأن الباطل غثاء، وأن العاقبة للمتقين.

فصبراً يا أقصانا الجريح الأليم، وثباتاً أيها المقدسيون، فإن موعدكم النصر الذي بشّر به من لا ينطق عن الهوى، صلى الله عليه وسلم، فدعوهم يأتون لفيفا ليتحقق الوعد الرباني.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .