مزاح.. ورماح

«كلمة حلوة..!»

عبدالله الشويخ

كان لدينا في الدوام شاب لطيف، مريح الوجه، يعمل لـ10 سنوات بوظيفة «مراسل»، وهي لفظة تطلق تأدباً على «الفراش»، في حال كان مستوى تحصيله العلمي أو لغته أو مظهره، تختلف عمن سواه.. كان لديه كل المؤهلات التي يمكن أن ترتفع به لوظيفة ومكانة أفضل، لكنها كانت «الظروف»، كما يصفها وهي تلك الخلطة من شؤون مالية وإدارية وأسرية، التي تضطر كثيرين للرضا بما في إمكانهم الحصول على خير منه.. قبل أيام وأثناء مراجعتي في جهة مهمة ومعتبرة، طلب مني أحدهم أن أدخل إلى أحد المديرين للحصول على موافقةٍ ما، ولك أن تتخيل حجم المفاجأة حينما كان ذلك المسؤول هو «المراسل» صاحب الهمة الذي أنهى تعليمه الثانوي، ثم الجامعي، ثم الماجستير، في مدة قياسية، وتبوأ ذلك المنصب وهو اليوم يدرس للحصول على شهادة الدكتوراه.

كانت العقدة التي في المنشار عقدة وهمية.. تغيرت «الظروف» وأصبحت لديه أوراق وهوية واسم، وكان كل ما يحتاج إليه هو ومن مثله، أن تقوم جهة ما بحل مشكلتهم، لينطلقوا في هذه الدنيا كغيرهم.

نشرت شبكة «إيه جي بلس»، قبل فترة، فيلماً قصيراً باسم «المحفظة الفريدة»، ويحكي الفيلم برمزية عن محفظة ليست فيها أوراق ثبوتية، وذلك لأن صاحبة المحفظة (واسمها مها مامو) تزوج والداها بطريقة لا تتناغم مع قوانين البلد الذي ولدت فيه، بسبب الديانة وأمور أخرى، فعاشت ولاتزال بلا أوراق ثبوتية، أو ضمن ما يعرف في مصطلح السياسة الاجتماعية باسم «البدون».

الظاهرة الإنسانية، التي يشكوها 10 ملايين شخص، والموجودة في العديد من الدول في آسيا الوسطى وشرق أوروبا والكاريبي وبعض دول الخليج وغيرها، والتي جعلتها الأمم المتحدة إحدى أهم القضايا التي تسعى لحل إشكالاتها، لم تعد موجودة في دولة الإمارات على الإطلاق، بفضل جهد «غير مطلوب وغير واجب»، لكن تم تطبيقه لأن الإنسانية في شرع الجهة التي حلتها «واجبة ومطلوبة»، وتم حلها بطريقة بسيطة وذكية؛ جعلت الكثير منهم شخصيات فاعلة ومبدعة وجميلة في المجتمع، دون انتظار في منطقة رمادية، أو خوف من مستقبل مجهول. ما نلوم أنفسنا عليه أولاً كإعلام، ومحيطنا المجتمعي ثانياً، هو افتقادنا خلق إعطاء «الكلمة الحلوة»، للمنجزات الإنسانية الحقيقية التي نراها في المحيط المحلي.. لو كانت قضية سلبية لرأينا آلاف الأقلام وعشرات المؤتمرات، ولتم تذكير الحكومة بها في كل يوم.. لكن عند تحقيق منجز ضخم بهذا الحجم، وعلى مستوى دولة كاملة وفي تجربة فريدة استفاد منها عشرات الآلاف.. وكسبوا حياتهم ووجودهم من جديد، لم نرَ أي تقرير إعلامي أو توثيق فيلمي للتجربة أو حتى إشارة إحصائية، سوى كلمات شكر خجولة هنا وهناك.. «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً».. هذا لنفس واحدة فكيف بآلاف النفس؟!

كلمة حلوة! هي كل ما يجب علينا ذكره.. فهل هذا كثير؟!

#عبدالله_الشويخ

Twitter:@shwaikh_UAE

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة