5 دقائق

تجاهَلْ.. ترتح!

عادل محمد الراشد

«التجاهُل» كلمة لا ترتبط دائماً بالسلبية، بل قد تكون قمة الإيجابية، ربما يربط بعضنا كلمة التجاهل بمعنى الصد والتعالي وقلة الاحترام، لكن هذا وجه واحد من وجوه المصطلح، ولغتنا العربية غنية بالمفردات المتعددة الاستخدام والمعنى حسب ورودها في السياق، و«التجاهل» واحدة من تلك المفردات التي يصبح استخدامها أحياناً ضرورة للتخلص من الطاقة السلبية، التي يتسبب في استفحالها أفراد أو مواقف أو صور ومشاهد، فالتجاهل ربما يكون شائناً في مكان، لكنه فضيلة ذات قيمة في أماكن ومواضع كثيرة أخرى.

التجاهل الإيجابي قيمة نحتاج إلى أن نتعلمها أكثر، ونجعلها مهارة يتقنها صغارنا، لكيلا تشغلهم صغائر الأمور عندما يكبرون، وتكبر معهم مسؤولياتهم تجاه أسرهم ووطنهم وأمتهم.

موقف بسيط غيّر قناعات مسؤول كبير في أحد مصارفنا الوطنية، وحاول أن يجعله ثقافة لدى موظفيه، لتحقيق أكبر قدر من الإنجاز في خدمة عملاء المصرف، فعند باب مسجد الحي باح هذا المسؤول لأحد المصلين بعدم ارتياحه للنقوش المطبوعة على سجاد المسجد، فجاءه الرد بكلمة واحدة: «تجاهله». هذه الكلمة، حسب قول المسؤول المصرفي، وقعت في نفسه كما الحجر الثقيل في بركة ماء. تغيّر شكل سجاد المسجد في نظره، وتغيرت معه خارج المسجد أشكال ومشاهد كثيرة، جعلته ينظر إلى الأمور بعدسات ذات مرشحات فائقة الجودة والحساسية، بحيث تستطيع أن تكسر أشعة المنغصات والسلبيات المحيطة به. ومنه نقل القناعة الجديدة إلى موظفي إدارته، لتكون مهارة إضافية تحقق الرضا المزدوج، لدى الموظف والعميل.

هذه المهارة تكون ضرورة نحتاجها جميعاً في حالات ومواقف كثيرة، ليس في الوظائف وحسب، وليس في مواقع خدمة العملاء فقط، بل في كل جوانب حياتنا، فتجاهل السلبيين يعني الوقاية من الوقوع في العدوى، وتجاهل المتطفلين يحفظ الوقت والجهد، وتجاهل المتهورين والمتبلدين على الطرق يهدئ الأعصاب، ويحفظ سلامة القلب، وتجاهل هواة المراء والجدال يقي الفتنة والنزاع، وتجاهل افتراءات هواة القيل والقال يحفظ العقول من تشويه الحقائق ونشر الأكاذيب، وتجاهل «المتفذلكين» والمتعالمين يحمي الوعي من شر الجهل، وتجاهل المستهزئين والمشككين يكشف طول قاماتهم ويكرس الثقة بالنفس، وكذلك فإن تجاهل هفوات الآخرين يزرع ثقافة التسامح، وتجاهل أخطاء الخدم والعمال والمرؤوسين يزيد الولاء ويزرع الإخلاص.

التجاهل الإيجابي قيمة نحتاج إلى أن نتعلمها أكثر، ونجعلها مهارة يتقنها صغارنا، لكيلا تشغلهم صغائر الأمور عندما يكبرون، وتكبر معهم مسؤولياتهم تجاه أسرهم ووطنهم وأمتهم.

طباعة