5 دقائق

بلغتنا نستأنف حضارتنا

عادل محمد الراشد

لم نسمع عن أمة أسست حضارة بلغة مستعارة، وقد سمعنا عن حضارات بادت بعد أن أبيدت لغاتها واضمحلت شخصياتها، وأصبحت أثراً بعد عين، في القارات الست. وصمدت حضارات تجذرت ثقافاتها، بعد أن تمسكت بلغاتها كوعاء للفكر، ووسيلة للتفكير، ولسان للحال.

استئناف الحضارة يدعونا إلى مراجعة خططنا التعليمية، وإعادة تقويم أنظمتنا ومناهجنا، لتكون اللغة العربية هي لسانها ووسيلتها وأداتها.

العرب بنوا حضارة استندت إلى لغة حية وغنية، استحقت أن تكون لغة الرسالة الخاتمة، ولسان الدين الشامل، بما حوته من بحور البيان، وفضاءات التعبير، وقواعد البناء، ومرونة قادرة على مجاراة الثقافات الأخرى، واستيعاب مفردات اللغات المختلفة، حتى غدت لغة العالم بامتياز، تصدر من خلالها العلوم، وتتواصل الأفكار، وتتلاقح الثقافات، في مساحة واسعة من الاختلاف، تتلاقى ثوابته عند ثوابت الدين ومنبت الحضارة وهو القرآن الكريم.

والأمة العربية، اليوم، تبحث عن استئناف ذلك الانبعاث الحضاري، الذي عطلته عصور الانحطاط، ونالت منه أيادي الغزاة. وازداد تعطلاً عندما انصاع الكثير من العرب لمفهوم المنتصر والمهزوم، وراحوا يمشون خلف ثقافة المنتصر بروح المهزوم، يبحثون لهم عن بعث جديد من بنات أفكار الغريب المنتصر، ويحاولون استنساخ تطور حضاري على طريقة حركة النهضة الغربية حاملين الجمل بكل ما حمل، ومحملين أنفسهم وأمتهم أحمالاً لا قِبَل لهم بها، في صدود غريب عن أصل القضية، وهو استعادة الشخصية بلسانها ولون بشرتها وتقاطيع وجوه أصحابها. وهذا ربما يصنع تقدماً مادياً وتطوراً معرفياً، لكنه لا يصنع حضارة، ولا يشكل شخصية، ولا يؤسس لسيادة تكون مصدر إلهام للآخرين، مثلما هي حال الأوروبيين والأميركيين والصينيين واليابانيين والروس والهنود، وقبل ذلك العرب المسلمين الأولين في المدينة المنورة وبغداد ودمشق والقاهرة وحضرموت والقيروان والأندلس.

نريد استئناف حضارتنا العربية، وذلك لا يكون عبر ثنائية اللغة التي أصبحت قسمتها مختلة، فاللغة هي وعاء الفكر، ووسيلة التفكير، وقسمتها على اثنين تعني تشطير الفكر وتشويش مركز التفكير، ويزيدها انشطاراً وتشويشاً إذا كانت القسمة غير عادلة والمعادلة مائلة.

استئناف الحضارة يدعونا إلى مراجعة خططنا التعليمية، وإعادة تقويم أنظمتنا ومناهجنا، لتكون اللغة العربية هي لسانها ووسيلتها وأداتها. وهذا لا يعني إهمال تعلم اللغات الأخرى، التي تخدم رغبتنا في استعادة نهضتنا واستئناف حضارتنا. ويدعونا إلى إعادة النظر في متطلبات سوق العمل، التي صارت خصماً لدوداً للغة العربية حتى داخل مؤسساتنا الحكومية.

بلغتنا الأم فقط يمكن أن نستأنف ما بناه السابقون الأولون، الذين لاتزال مخطوطات علومهم وابتكاراتهم وفلسفاتهم وآدابهم تملأ مخازن دور العلم، والمتاحف، في دول الغرب المتقدم.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة