5 دقائق

استئناف الحضارة

عادل محمد الراشد

هذا العنوان تم اختياره بعناية فائقة من قبل صاحب الدعوة لفتح حوار على المستوى العربي حول صياغة مستقبل أمتنا العربية والإسلامية، فالحضارة لم تنقطع عن هذه الأمة، على الرغم من عثراتها الكثيرة، وأسبابها لم تندثر في وعي أبنائها، على الرغم من كل عمليات التضليل والتشويش والتهميش، فهي حاضرة وممتدة وإن أصابها الوهن في أزمنة الانحطاط، وتعطلت بعض أدواتها واختلطت المفاهيم وتشابكت الأفكار بين مكوناتها.

أخلاق الشعوب هي مؤشر مكان مقاعدهم بين الأمم والحضارات، ومستوى حضور اللغة الأم في معاملاتها ومخاطباتها ومكاتباتها وكتاباتها ومناهجها التعليمية هو الدليل على صحة سيرها نحو بناء الحضارة.

هذا الفهم الواثق بصلابة أساس حضارتنا وقدرتها على استعادة مجدها ربما هو الذي جعل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الحاكم والقائد والمفكر والإنسان المشغول بحال ومستقبل وطنه وأمته، أن يطلق دعوته الواسعة لحوار عربي شامل، خارج قاعات الاجتماعات والمؤتمرات المغلقة، إلى قاعات الدرس، وساحات الفكر، وتجاذبات الشارع؛ ليفكر الجميع بصوت عالٍ بالرد على سؤال واحد: كيف يمكننا استئناف حضارتنا؟

لقد تعرضت حضارة العرب والمسلمين لحملات ومحاولات كثيرة عبر تاريخها، سعت كلها إلى هزيمتها وتدميرها، ولكن كل ذلك لم ينجح في تفكيكها وإلحاقها بحضارات سادت ثم بادت وكانت غنائم لمن على أنقاضها جاءت. ولم تكن الحروب والغزوات الخارجية لتزيد هذه الأمة إلا مزيداً من التحدي والإصرار على البقاء، ولكن البقاء وحده لم يكن كافياً لاستئناف الحضارة واستعادة الصدارة، والتشبث بأمجاد الماضي وحده لم يمنع استشراء الضعف وتفشي الشعور بالدونية والرضا بالتبعية، خصوصاً في زمن تتسيّد فيه ثقافة المنتصر الذي يحاول احتكار أسباب المعرفة والتقنية والاقتصاد، فصارت معاييره الحضارية هي مصدر إلهام للآخرين المتعيشين على أدوات حضارته.

للحضارة أسباب مادية ومعنوية، ولا شك أن التقدم المادي في البنيان والصناعة والاكتشافات العلمية من أقوى مظاهر التقدم الحضاري، ولكنها في الحقيقة نتاج للتقدم المعنوي في الفكر والدين والأخلاق والتعليم والتمسك باللغة الأم، والتي في مجملها تشكل شخصية الإنسان المتحضر، الذي يمتلك مفهوماً للحياة يتجاوز عمره الدنيوي الى مستقبل من يأتي بعده وإلى جوائزه التي تنتظره في حياته الباقية.

أخلاق الشعوب هي مؤشر مكان مقاعدهم بين الأمم والحضارات، ومستوى حضور اللغة الأم في معاملاتها ومخاطباتها ومكاتباتها وكتاباتها ومناهجها التعليمية هو الدليل على صحة سيرها نحو بناء الحضارة، وصحة أبدان أبنائها دليل وعي على أن الحضارات لا تشيدها أبدان ضعيفة ونفوس خائرة يائسة، وقوة أنظمتها التعليمية المتناسبة مع تركيبتها الاجتماعية والمستندة إلى موروثها القيمي والثقافي والمستفيدة من التجارب الإنسانية المتقدمة إشارة مرور لاستئناف الحضارة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة