5 دقائق

لا أقرأ الرسائل الطويلة

عادل محمد الراشد

الاختصار أسلوب في الكتابة له فنّه وأدواته التي توصل الفكرة إلى متلقيها دون الحاجة إلى الخوض في التفاصيل. وإن كان الاختصار يلبي حاجة العلم بالشيء في عمومه فإنه في الغالب لا يؤصل لعلم ولا يعمق وعياً.

قراءة عناوين الأخبار في الصحف والإذاعات والمواقع تزود القارئ بما يسمى «رأس خبر»، لكنها قد تكون مضللة، وهي بلا شك غير كافية لتكوين فكرة أو بناء رأي. وتحت جنح ما يسمى بعالم السرعة اليوم صار الاختصار هو القاعدة لدى أغلب الناس، والخوض في التفاصيل مدعاة للملل وتضييعاً للوقت. وعلى هذه القاعدة أصبحت وسائل الإعلام تقرر سياساتها التحريرية تماشياً مع ميول وتوجهات القراء وتوفيراً للمال. وتحت هذا الباب أيضاً أصبحت مهمة اختصار الكتب في ما يسمى بالخلاصات تجارة ثقافية وإدارية رائجة.

ولأن الاختصار يجر خلفه اختصاراً دخلت مواقع التواصل الاجتماعي لتنافس المطبوع أولاً في جذب القراء والمتابعين، ثم تحوّلت المنافسة في ما بينها في عملية مبارزة، الاختصار هو أقوى أسلحتها. وفي عملية تنازلية تقلصت مساحات الرسائل وعدد كلماتها، ومقاطع الفيديو ومدتها في عملية لا يمكن تجاوز قدرتها على الإبهار في توظيف الاختصار، ولكنها أدّت الى إيجاد واقع جديد للقراءة وصناعة ثقافة مختلفة لدى القراء تجاه ما يكونونه من معارف مما يقرأون، فكثير من الناس أصبحوا لا يطيقون قراءة مقال من 150 كلمة في «واتس أب» ويصدون عن مقطع فيديو لمحاضرة قد لا يتجاوز خمس دقائق، ويفضلون العجالات ذات الكلمات المعدودات، ثم يبدأون، بناء عليها، تكوين آراء وبناء مواقف في حالة تغيب عنها المعرفة الأصيلة بالشيء.

ونحن في ظل الدعوة لبناء مجتمع المعرفة وتشجيع الناس على القراءة وجعلها عادة اجتماعية، حري بنا أولاً دراسة الأسباب التي جعلتنا أمة تقرأ، ولكن لا تتعمق في ما تقرأ. فلو جمعت قصاصات رسائل الـ«واتس أب» و«تويتر» و«فيس بوك» والمنتديات والمواقع الإلكترونية التي نقرؤها يومياً لأصبح لدينا مجلدات من أمهات الكتب ومصادر المعرفة الأصيلة، ولو أعيد توجيه شيء من صبرنا على مناظرة هواتفنا وأجهزة حواسيبنا لتصفح وقراءة الكتب المطبوعة أو الالكترونية، لأصبحت القراءة جزءاً من عاداتنا وأصلاً في أسلوب حياتنا، فالعالم الافتراضي ليس من اختراعنا ولا هو حكر علينا، ولكن غيرنا في الغرب والشرق ممن سبقونا إليه لاتزال قراءة الكتب، والمطبوعة خاصة، أسلوب حياة عندهم ومصدراً أساسياً من مصادر تراكم معارفهم وتقدم علومهم، بينما انزلقنا نحن أكثر في القبول بالاختصار المخل والمعلومة الناقصة بضيق حدود صبرنا.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة