5 دقائق

هل من مزيد؟

عادل محمد الراشد

هل من مزيد؟ هذه الكلمة أصبحت سؤالاً يراود أكثرنا ونحن نتعامل مع كل شيء حولنا. أحياناً يكون طلب المزيد مشروعاً، بل حافزاً لتحسين الحال وتطوير الذات وإسعاد المحيطين، وأحياناً يكون سبباً لتشتيت البال وإشغال النفس بلا طائل والجري خلف سراب التطلعات، وربما أطماع النفس المنفلتة بلا حدود.

تراجعت البساطة في أسلوب حياتنا فتعقدت أمورنا، وزادت تكاليفنا فأصبحنا نطلب المزيد لمجاراة تيهنا.

في تفاصيل حياتنا يبدأ طلب المزيد من البحث عن معلومات من هنا أو تسريب من هناك عن زيادة في الرواتب. وتتفرع لتصل إلى حجم خزانة الملابس داخل غرف نومنا، فالرواتب كلما لامست حداً راودتنا نفوسنا لبلوغ حدود جديدة، وكلما زادت زادت مصروفاتنا بدعوى زيادة التزاماتنا، وزادت زياراتنا إلى الأسواق، وتبدلت خياراتنا إلى علامات تجارية تتاجر بأوهامنا وتقودنا إلى إفراغ جيوبنا في خزائنها. وتذهب رغباتنا بعيداً في نوع السيارة التي نركبها، والأثاث الذي نفترشه، والمقهى الذي نرتاده، وما بين ذلك من تفاصيل كلها تحرق كل مزيد يضاف إلى دخلنا، وتتجاوز أي مزيد ورد إلى سابق تطلعاتنا.

هل من مزيد؟ هذا السؤال أصبح رفيقنا في كل أمور حياتنا، ربما نطرحه كسؤال واضح ومحدد أحياناً، وغالباً يكون هاجساً يسيّرنا في شعور شبه جماعي يجرّ بعضه بعضاً نحو المزيد من الهدر في كل أسباب قوتنا وطاقاتنا. فمن مزيد في الطلبات والرغبات إلى مزيد من الديون والالتزامات، إلى مزيد من الهموم، وربما المشكلات والنكبات.

لذلك أصبحنا نسمع من يندب النفس التي هجرت القناعة وتخلت عن صفائها وجرت خلف أطماعها. ويقولون إن الدور كانت صغيرة لكنها كانت عامرة يوم كانت القلوب واسعة وكبيرة، وإن طرقات الأحياء كانت ضيقة لكنها آمنة، وإن الأسواق بسيطة لكنها كانت كافية، وإن الموارد كانت محدودة لكن الحال مستورة، والنفوس راضية. واليوم البيوت واسعة والمجالس كبيرة لكن النفوس مشغولة والزيارات قليلة، زادت الموارد فزادت الشكوى.

تراجعت البساطة في أسلوب حياتنا فتعقدت أمورنا، وزادت تكاليفنا فأصبحنا نطلب المزيد لمجاراة تيهنا. فلم نعد نطلب سد الحاجة وأكثر قليلاً، بل صرنا نبحث عن التخمة في معظم تفاصيل حياتنا وأكثر كثيراً، ابتداء من بطوننا وصولاً إلى ترف محيطنا. وبلغة «هل من مزيد» أصبح أطفالنا يعافون ألعابهم بعد أول استخدام لها طالبين غيرها، ثم المزيد منها حتى فقدت في عيونهم بريقها، وزهدت نفوسهم التمسك بها لكثرة عددها وتوالي زيادتها.

طلب المزيد ليس افتراء على إطلاقه، لكن موازينه اختلت يوم اختزلناه في الطمع الفاقد وحجمناه في الطموح النافع، وحولناه إلى همّ يليه غمّ، بدلاً من أن نجعله اهتماماً آخره سلام.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة