5 دقائق

القيل والقال في خدمة الإرهاب

عادل محمد الراشد

بقدر كارثة الإرهاب الآثم تبدو المصيبة في وعي من وجد في وسائل التواصل الاجتماعي ضالته في نشر ثقافة القيل والقال.

ما فاض من غثّ على وسائل التواصل الاجتماعي بعد الحادثة كان أشبه بالتشفي.

في حادث الاعتداء على مطعم رينا بإسطنبول، ظهر توحش القيل والقال لينازع بجرمه توحش القاتل المسعور، الذي لم تأخذه في أرواح ضحاياه إلّاً ولا ذمة. فبينما كان العالم في حالة من الصدمة بسبب درجة القسوة التي تمت فيها الجريمة دون تمييز، حدثت صدمة موازية على وسائل التواصل الاجتماعي كان مصدرها المتبارين على السبق الكاذب، ودعاة احتكار الفضيلة، والمتطفلين الذين يركلون التغريدات والرسائل القصيرة والطويلة قبل أن يقرؤوها، فيقررون من يستحق دخول الجنة، ومن وجبت عليهم النار، دون أن يتثبتوا من مكامن ظنونهم الخائبة، أو يقدموا دليلاً شرعياً يسمح لهم بتوجيه التهم وتوزيع المقاعد بين الجنة والنار.

بقدر كارثة الإرهاب الآثم تبدو المصيبة في وعي من وجد في وسائل التواصل الاجتماعي ضالته في نشر ثقافة القيل والقال. فبعد أن كانت هذه العادة المذمومة محصورة بين أفراد وجماعات، فتحها فضاء الإنترنت لتكون لعبة بأيدي الأغرار، وحكاية على ألسن الفتانين، ووسيلة لدى المخربين الذين نجحوا في خلط الكثير من المفاهيم، وشوهوا الوعي العربي والإسلامي، حتى أصبحت الفتن لا تحتاج لأكثر من طرح عنوان القصة لتأتي التكملة متواترة من هنا وهناك، يرويها الكاذبون ويزيد عليها الأفاقون، فيضربون الحابل بالنابل، وما أكثر المصدقين والمصفقين بيننا!

حادث إسطنبول كغيره من الحوادث المدبرة التي أشاعت في المنطقة العربية والشرق الأوسط الكثير من الفوضى السياسية والأخلاقية. وضحايا الحادث أرواح أزهقت بغير حق، ونوايا أصحابها لا يعلمها إلا خالقها. ولهم أقارب وأحبة بحاجة إلى التضامن والتعاطف والمواساة بدلاً من زيادة آلامهم. وما فاض من غثّ على وسائل التواصل الاجتماعي بعد الحادثة كان أشبه بالتشفي، في صورة تشير إلى حجم التشويه الذي أصاب الكثير من وعينا الديني والأخلاقي، وينذر بحالة تستوجب المزيد من الجهد لإعادة بناء وعي قائم على مفاهيم صحيح الدين. فلم تتفشَّ ثقافة القيل والقال إلا عندما تراجع مستوى فهم الحرام والحلال، وضعف تقدير أثر الكلمة، وتراجع الإحساس بالغير في حب الخير.

هذا النوع من الحملات التشويهية بحاجة إلى حملات مضادة من قبل النشطاء المسؤولين الذين يسجلون حضوراً قوياً على وسائل التواصل الاجتماعي. حملات فردية أو جماعية تحاصر المتقولين، وتكشف زيف أكاذيب المدّعين.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة