مزاح.. ورماح

«لا تفتح الصندوق..!»

عبدالله الشويخ

لسبب ما لا تعرفه تحس بالشوق إليها.. ربما لافتقادك الحنان العاطفي.. ربما بسبب مراهقة منتصف العمر.. ربما لأي أمر خبيث آخر.. لكن المهم أنك تشعر برغبة حنينيةٍ تجتاحك، وبذكرى قديمة تلحُّ عليك بشدة.. كم مضى؟ نحن لا نحسن الحساب حينما يتعلق الأمر بأي ضرب من ضروب الحب.. وهل للحب عمر؟.. تتذكر اسمها بسهولة.. وهل يُنسى من هو مثلها.. تتذكر اسمها الخماسي أو السداسي.. تشكر الله على نعمة «الجوجلة».. سؤال يشتعل فجأة في الفص الأيمن من عقلك.. ما معنى كلمة «مجوقلة» التي يستخدمها العسكريون؟.. ينطفئ السؤال بسرعة اشتعاله نفسها.. تدخل إلى محرك البحث وتضع اسمها.. وما هذا؟

هل هذه الأم التي تعاني تكدس الكوليسترول، هي ذاتها التي عشقتها حدَّ الموت قبل سنوات؟.. من هؤلاء القردة الخمسة المتعلقون بها؟.. الصورة لا ينقصها سوى عدد من أصابع الموز ليكتمل تأثيرها الكارثي فيك.. إنها تشبه (زكية زكريا) أكثر بعشرات المرات مما تشبه الصورة الموجودة في ذهنك.. تتنفس بسرعة وأنت تخرج ألبوماتك القديمة، لكي لا تحتل الصورة الجديدة الصورة القديمة الجميلة الموجودة في عقلك.. تفكر بمعنى «المجوقلة» مرة أخرى.. تعثر على صورة لطيفة لكما صغيرين.. تتنفس الصعداء.. لكن مهلاً إن الصورة القديمة لا تقل قباحة عن الصورة الجديدة.. ما هذا الشعر الأكرت؟.. ألم يكن لديهم في الثمانينات (دابر أملا)؟.. كيف كنت أعشق فتاة تشبه فتيات القوة؟ وتضع تقويماً.. ثم أين ما يتغنى العرب به من عيون مها وأنف سيف وتضاريس صحراء؟.. في أي خانة كان ذوقي وأنا صغير؟!.. في دقائق تكتشف أنك نسفت الصورة الجميلة التي كانت في ذهنك، وشتتها بين صورة حديثة دفعها إليك فضولك، وبين صورة قديمة كان يجب ألا تفتح الصندوق وتطّلع عليها.

مشهد آخر: تتذكر أغنية من أيام الشباب، وتحب استعادة جزء منه، وهو الذي يتسلل بين يديك دون أن تشعر، ولم تكن لتحس بذلك لولا أن اكتشفت أن جميع الفعاليات التي تحمل كلمة «شبابية» أصبح منظموها لا يدعونك.. بينما تصر شركات (لا تعاني بصمت) على ملء بريدك برسائلها.. تحضر مسجلك القديم.. وتضع فيه الشريط السحري وتلك الأغنية الشبابية.. ما هذا القبح.. هناك خطأ ما؟ اللحن قبيح والصوت أقبح.. هل كنت أنا من يستمع لهذا العبث؟!

كلاكيت ثالث: كدت تبكي حينما رأيت تلك اللعبة الإلكترونية وجهازها تباع على «الإي - باي»، تشتريها بثمن خرافي وتجمع أبناءك لتخبرهم بأنهم اليوم سيرون ما يُنسيهم (كال أوف ديوتي).. تقوم بتشغيل الجهاز المغبر.. هي اللعبة ذاتها.. لكن أيضاً تشعر بوجود خطأ ما! لقد كانت الصور أجمل.. الصوت لم يكن بهذا القبح.. يتبادل أبناؤك النظرات.. تشعر بتضاؤلك.. تخبرهم بأن هناك خطأً، وأن هذه عبارة عن (فيرجن) مضروب من تلك التي كنت تحدثهم عنها.

يتكرر الأمر مع حلوى.. مجلة.. قصة.. فيلم سينمائي كنت تعشقه.. صديق كان رمزاً للعائلة.. لاعب كنت تحفظ أهدافه.. يا صديقي صدقني الدماغ هو المسؤول عن الاحتفاظ بالجزء الأجمل من الصورة.. فلا تنبش الماضي، ولا تفتح الصندوق، واحتفظ بالصور الجميلة في مخيلتك، لأن الواقع ليس كذلك، وربما لم يكن كذلك.. وحاول مثلي أن تشغل نفسك - كلما فكرت في فتح الصندوق - بأي أمر آخر لكي تنساه.. ما رأيك بالبحث عن أصل كلمة «المجوقلة» مثلاً؟!

#عبد الله_الشويخ

Twitter:@shwaikh_UAE

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة