لحظة

الحنين إلى العصر الذهبي

ياسر حارب

في الفيلم الجميل «منتصف الليل في باريس» يعيش بطل القصة صراعاً بين حياته اليومية وبين شوقه ليعود إلى الماضي، يأتي إلى باريس من كاليفورنيا، ويحاول أن يكتب رواية، لأنه يظن أن عمله ككاتب سيناريو في هوليوود لا يناسبه، يقول لخطيبته وهما يمشيان في باريس إنه وُلِدَ مُبكّراً ويتمنى لو يعود للعصر الذهبي الذي عاش فيه كبار الروائيين. وفي إحدى الليالي، وبينما هو يمشي في أزقة باريس، قَرَع جَرس منتصف الليل فتوقفت أمامه سيارة قديمة وطلب منه ركابها أن يركب معهم، أخذتهم السيارة في رحلة عبر الزمن حتى وصلوا إلى العشرينات من القرن الماضي، فنزلوا في حانة قديمة، وكانت مفاجأته عظيمة عندما التقى مجموعة من رموزه الأدبية كهمنغواي والروائي الأميركي سكوت فيتزجيرالد وغيرهما، شعر بأنه ينتمي لهذا الزمن - زمن الطيبين - والتقى بيكاسو، وتعلق بفتاة جميلة، صَدَف أن عاد بالزمن معها، في يوم ما، إلى نهاية القرن التاسع عشر، فقالت له إنها تريد العيش في ذلك الزمن، فاستغرب وقال لها إن عصرها هو العصر الذهبي، أي العشرينات في باريس! فقالت له: «العشرينات مملة، هذا هو العصر الذهبي»، عندها أدرك أن «العصر الذهبي» فكرة من خيال الإنسان، ينجذب إليه عاطفياً ووجدانياً، مُعتقداً أنه سيجد فيه نفسه.

وفي ذائقتنا الاجتماعية، كعرب ومسلمين، نظن أن كل العصور التي سبقتنا هي عصور ذهبية، حتى على مستوى الأخلاق، نظن أن مجتمعات تلك العصور كانت ملائكية ومثالية، إلا أن الواقع عكس ذلك، ففي عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - سرقت امرأة، وزنت أخرى، وارتد رجل عن الإسلام، وخان آخر عهده مع المسلمين، وحدثت وقائع أخلاقية كثيرة، رغم وجود النبي والوحي ينزل عليه بالتشريع، ولو تفكر أحدنا في حكمة تلك الأحداث، لأدرك أن الله تعالى يريد أن يضرب مثلاً للناس حتى يدركوا أن الخير والشر موجودان إلى يوم القيامة، وأن المثالية الأخلاقية والاجتماعية غير موجودة، حتى في زمن أطهر الخلق أجمعين.

أما في ذائقتنا الأدبية والموسيقية، فمن منا لا يتمنى أن يعيش في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، ليشرب القهوة مع توفيق الحكيم، ويحضر أمسيات أم كلثوم، ويشارك في صالون عباس العقاد؟ أو ربما يعيش في نيويورك مع جبران وإيليا وميخائيل والريحاني.. إلا أن كل ذلك حنينٌ مُثبّط للعزيمة، رغم المشاعر الحميمية التي يُثيرها في داخلنا، لكنه يُشعرنا بأن عصرنا لا قيمة له، وأنه تافه وسطحي وسخيف، لكن الحقيقة هي أن كل إنسان خُلِقَ لعصره، وكلنا نأتي إلى هذه الدنيا في الوقت المناسب، لا أحد يولد متأخراً. إن كثرة الحنين إلى الماضي تعني أن هناك مشكلة في داخل الفرد وعلى مستوى المجتمع، تعني أن حياتنا لا معنى لها، رغم التقدم التكنولوجي والرفاه الاقتصادي والكشوفات العلمية والطبية الكثيرة، إلا أننا لا نستطيع أن نكون جزءاً من هذا العالم المتجدد، لأننا لا نفهمه، لا نتحدث لغته، ولا نعرف كيف نسهم فيه، وهذا ما يشعرنا بفراغ حضاري، وفضاء نفسي يحول بيننا وبين عصرنا الذهبي الحقيقي.

yasser.hareb@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة