5 دقائق

المدينة العاصية

عادل محمد الراشد

يقال إن الفلوجة العراقية هي المدينة العاصية التي لم تستطع أقوى الجيوش الغاشمة ترويضها على مدار حقب مختلفة من التاريخ، لا من خارج العراق ولا من داخله. فقد استعصت على الجيش البريطاني في سنة 1941، عندما حاول دخولها لتأديب المقاومة الشعبية فيها، والانتقام لمقتل أحد ضباطه، فخرج منها تاركاً أمرها لشيوخ عشائرها. ورفضت الفلوجة أن تكون خارج الذاكرة الوطنية العراقية في ظل حكم حزب البعث، فتمردت على قوات جيش صدام حسين، في تسعينات القرن الماضي، بقيادة أحد شيوخ عشائر الدليم. واستعصت الفلوجة على القوات الأميركية بعد احتلال العراق في 2003، ما اضطر الأميركيين لسحب قواتهم من المدينة، والبقاء في محيطها ومحاصرتها، وتركيز قصفهم عليها بكل أنواع الأسلحة من خارجها، وتدمير أكثر من 3000 منزل ومعظم عناصر البنية التحتية للمدينة. واستعصت المدينة بعد سقوط بغداد عام 2003 على قوات الجيش العراقي ذي اللون الواحد، في ما يسمى بحرب الفلوجة الثانية، ليسارع عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي لملء الفراغ في المدينة، لكن الفلوجة ترفض مرة أخرى أن تكون مكاناً لميليشيا دخيلة بديلة لقوات غازية، فاستطاعت عشائر المدينة إخراج «القاعدة» من داخلها لتعود رمزاً ساطعاً للكرامة الوطنية العراقية. وذاقت أعداد غفيرة من أبناء عشائر المدينة ووجهائها صنوفاً من التنكيل والقتل على يد إرهابيي «داعش» من دون أن تنتزع منهم البيعة الزائفة.

• فهل ستنكسر الفلوجة هذه المرة أم ستتغلب طبيعتها على إرادة أعدائها؟

لذلك لا يبدو غريباً تلاقي الإرادة الأميركية عبر طائراتها المقاتلة جواً، والإيرانية عبر الحرس الثوري، و«فيلق القدس» وقائده قاسم سليماني، على الأرض، وبينهما اللغز المفضوح «داعش» للإجهاز على هذه المدينة العنيدة، وإفراغها من أهلها وعشائرها وضمها إلى مشروع الهلال الطائفي غير الخصيب.

ويقال إن مدينة الفلوجة يسكنها عدد من كبار العشائر العراقية العربية العريقة، مثل عشائر الدليم بكل فروعها (البوعلوان والمحامدة والفلاحات والحلابسة والبونمر والبوفهد) والجميلة، والجبور والكبيسات، والبوعيسى والعزة والجنابيين وزوبع، وقبيلة بني تميم بفروعها (العيايشة والبوذهيبة والبوسهيل والبوفياض). ويقال إن الفلوجة تعرف بكثرة مساجدها، ومنها الجامع الكبير المؤسس عام 1899م، وجامع الخلفاء، وجامع أبي بكر الصديق، وجامع عمر بن الخطاب، وجامع عثمان بن عفان، وجامع علي بن أبي طالب، وغيرها.

لذلك لا يبدو غريباً علو النبرة الطائفية في خطاب قادة ما يسمى «الحشد الشعبي» وهم يوجهون جنودهم لاجتياح المدينة واجتثاث سكانها منها. فهل ستنكسر الفلوجة هذه المرة أم ستتغلب طبيعتها على إرادة أعدائها؟

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة