5 دقائق

الحكمة إماراتية

عادل محمد الراشد

القراءة من المهد إلى اللحد، تلك هي خلاصة الاستراتيجية الوطنية للقراءة التي أطلقتها حكومة الإمارات في ختام فعاليات معرض أبوظبي للكتاب الأسبوع الماضي، وحشدت لها جهود خمس وزارات اتحادية، تدعمها العشرات من المؤسسات الإعلامية والثقافية والتعليمية والصحية والاقتصادية، في حراك مجتمعي شامل، يجعل المعرفة صيده، والحكمة هدفه.

استراتيجية شاملة العناصر، ومتعددة الأطراف، تبغي إحياء بيت الحكمة العباسي، الذي شع بنوره على أركان الأرض في عصره، ومهّد لانطلاق الحضارة البشرية من بعده، لكن بنسخة إماراتية عصرية ــ حسب تعبير الوزير محمد القرقاوي ــ تقدم الإمارات كلها كبيت حكمة للعرب، في عصرٍ تجاذبهم فيه الجهل، ومزّقتهم الجهالة، وتقاسمهم الخارج، حتى بدت الحكمة في حواضر العرب من فعل كان وأخواتها. ورؤية الإمارات لا تخيب، بإذن الله، لأنها لا تضع الخطط في أدراج الأمنيات ثم تنتظر الحظ يقدم إليها البشارة. والحكمة الإماراتية صنعت المستحيل في بناء دولة من طراز فريد، وهي ماضية في إيصال إشعاعها إلى من حولها، وعينها على استعادة نهضة أمة بكاملها، لا تعزلها الحدود، ولا تمنعها التجاذبات.

• صارت «العربية» خياراً ثانياً وثالثاً، وربما رابعاً، في مناهج التعليم وشروط سوق العمل ومظاهر الوجاهة الاجتماعية الكاذبة.

وإذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، فإنه يبحث عنها بكل اللغات، والترجمة أصل النقل في التنقيب عن مصادر الحكمة، وللترجمة فصل عريض في الاستراتيجية الوطنية للقراءة، وهذا يعني أن اللغة العربية يجب أن تكون عنصراً رئيساً في فهم الاستراتيجية قبل أن نبدأ بالقراءة. وفي سنواتنا الأخيرة صارت «العربية» خياراً ثانياً وثالثاً، وربما رابعاً، في مناهج التعليم، وشروط سوق العمل، ومظاهر الوجاهة الاجتماعية الكاذبة، ما أضعف القدرات اللغوية عند قطاعات واسعة من الشباب والناشئة، فجعلهم يعزفون عن القراءة والكتابة، وحتى التفكير «بالعربي»، حسب تعبير إحدى الخريجات.

القراءة تقابلها الكتابة، وبينهما يكون إعمال الفكر لتشكل شخصيات الشعوب والأمم، وكلمة «إقرأ» الأزلية ارتبطت بنون والقلم وما يسطرون، فشكلت وعياً عاماً، قام على التفكر والبحث، وسط بيئة لغوية غنية، وبيان بلاغي فسيح، عمقه لسان عربي مبين، ضاربة جذوره في أعماق التاريخ، فكانت الكتابة من جنس المكان، وأصبحت القراءة من ذات اللسان، لا تنافر ولا تضارب، ولا تخبط التائه الحيران.

وفي استراتيجيتنا الوطنية للقراءة نتوقع أن يكون للغة العربية مكانها المتقدم لإعادة العربة إلى السكة، بعد أن عطلتها محاولات الإبعاد والتهميش سنوات عديدة، وأن يعود شبابنا يفكرون بالعربي، بعد أن يتمكنوا من تعلم القراءة بلغتهم الأم.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة