5 دقائق

هُوية المكان

عادل محمد الراشد

الأسماء جزء أصيل في الهوية التي تنتسب إليها الأمكنة، وابتداء من اللغة مروراً بالمعنى إلى اللكنة التي يُنطق بها الاسم، كلها تمثل دلالات على هوية صاحب المكان أو من مرّ به يوماً واستقر، سواء كان مدينة أو قرية أو حياً أو شارعاً أو حتى مبنى.

في ديارنا العامرة بالتعمير والتشييد والإنجاز الذي يتبعه إنجاز نسمع في كل يوم عن مشروع سكني هنا ومشروع سياحي هناك، وشق طريق جديد أو جسر مشيد أو مدينة ترفيهية أو مركز تسوق، وغيرها من مشروعات يسابق بعضها بعضاً لتوسيع رقعة العمران وبث المزيد من الحياة في أرجاء المكان. واللافت أن أسماء الكثير من هذه المشروعات تذهب بعيداً عن سمة المكان ولا تراعي مسألة الهوية الوطنية العربية، وهي تضرب جذوراً للأثر الذي ستفتخر به الأجيال المقبلة عندما تأتي لتقطف ثمار الجهد العظيم الذي قدمه أسلافهم العظام.

• إن فكرة عالمية المكان لا تعني توزيع هويته على قارات الأرض الخمس، ولا تعني اختيار أسماء بديلة ولا حتى موازية لاسمه الحقيقي.

أسماء الكثير من المشروعات الحضرية والإسكانية والشوارع والأسواق والمرافق السياحية التي تمثل في مجموعها وجه المكان وروح إنجاز الإنسان توضع باللغة الإنجليزية، وهذه الأسماء ستستقر في الذاكرة على تعاقب أجيالها، وهي تبدو كالغريب المستوطن في أرض ليست بأرضه، وأخشى أن يأتي يوماً نفيق فيه من هذه العقدة ونفكر في وضع خطة للتعريب نخصص لها فرق عمل ونصرف عليها من المال والجهد لإصلاح خطأ من صنع أيدينا.

أحسب أن فكرة عالمية المكان لا تعني توزيع هويته على قارات الأرض الخمس، ولا تعني اختيار أسماء بديلة ولا حتى موازية لاسمه الحقيقي، ولدينا في لغتنا العربية وفي موروثنا الوطني والشعبي ما يغني من المعاني الراقية والرموز العالية التي تجعلنا في غنى عن استعارة أسماء أجنبية اللفظ والمعنى بظن أننا نقدم مكاننا إلى العالم بلغة يفهمها أو يرغبها، فالعالم يتجمل بتنوع حضاراته وخصوصية ثقافاته وليس باستنساخ مفرداته وتكرار ملامحه. وعندما نقدم للعالم أنموذجنا الحضاري المنفتح ونطمح لأن تكون لنا بصمتنا فيه يصبح تقديم المكان بأصالته واتكاءً على جذوره ضرورة تفرضها المصلحة الوطنية، وتزكيها أبجديات المساهمة في إثراء الحضارة البشرية.

المشروعات الحكومية أو تلك التي تنفذها شركات القطاع الخاص الوطنية والأجنبية مطالبة بأن تعزف منسجمة مع هوية الدولة، فلا تصدر نغماً نشازاً تجعله بعد ذلك هو الأصل وتذهب به بعيداً لتخلط الحابل بالنابل، فلا يدري أطفالنا في قادم الأيام أو الزائر العابر من أي مكان أيّ اللسانين أحق بتمثيل المكان.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة