أبواب

مدن روائم

علي العامري

المدن وجوه، والمدن نبض، والمدن صبايا، وأغنيات وقصائد. المدن أمهات روائم، وأناشيد حياة. هناك مدن ندخلها للمرة الأولى، فتسلمنا مفاتيحها، وهناك مدن غوالق، لا تتيح لك سبر ليلها ونهارها ووهادها، تلف موسيقاها بخفاء يشبه متاهة، نتعب في محاولاتنا للعثور على أحد مفاتيحها. وهناك مدن غير عاطفة علينا، بابها غير عاطف، وليلها مسنّن، وصباحها عكر.

المدن تشبه الناس، فهناك مدن لاتزال في مهدها تناغي الشجر، ترضع الضوء، لتحبو في خطواتها الأولى، ولتتأثث بالطاقة وتتوثب للحياة. وهناك مدن شابّة، تتفتح يُنوعتها رويداً رويداً، مثل وردة تميط أكمامها بهدوء صوفيّ، تسري في عروقها الأناشيد، وتموج فيها عنفوان الجمال والسحر والبهجة، ولا يخلو مزاجُها من طيش. وهناك مدن كهلة خطَّ شيبُ النهر مفرق شعرها، نراها تسير بهدوء كثيف، ونراها تفتح عينيها ببطء في الصباح، معالمها راكنة إلى الظل، وموسيقاها مائلة على نبع صاف، يكاد ماؤه يتجمد مثل صورة قديمة في خزانة قديمة. المدن التي بلغت حد الكهولة، تبدو لنا كما لو أنها اكتملت، لكن هيهات ذلك، فما من اكتمال سوى النقصان، وما من كمال بادٍ، إلّا ويكون قرينه النقص الذي لا يفارقه. هذه المدن التي عبرت قنطرة الشباب، تبدو على ملامحها حكمة متوارثة، ويبدو الضوء مغبرّاً على شالها الطويل، وعيناها تبدوان مثل ليليْن في منتصف النهار.

• هناك مدينة رؤوم تفتح ذراعيها لنا، عاطفةً علينا، تمنحنا ابتسامة صادقة، وهي تضع في أيدينا مفاتيحها واحداً واحداً. وهناك مدينة مضيافة، ترحب بنا، ومنذ اليوم الأول نشعر كأننا مولودون فيها، لسنا غرباء، ولسنا عابرين. وهناك مدينة فاتنة، سرعان ما نقع في عشقها، تمنحنا الفرح بكل اللغات، وعلامتها أنها بيت الجميع، وبيت القصيد.

أما المدن الشائخة، فتبدو دائخة بين الذكريات، تمر الصور أمامها، ولا ترى سوى شريط معتم، يمتد من ذكرى المهد إلى سيرة اللحد. هذه المدن نراها ساكنة، ومطمئنة إلى سكونها مثل حجر في قاع بئر. هذه المدن التي تتمايل في الشيخوخة، نراها تترنح بين الأزمنة، ذاكرتها محفورة في الحجر، وخطواتها القديمة تجمّد صداها في المرايا. تتحول إلى مزار، يأتي إليها السائحون، ومن أكتافهم تتدلى آلات التصوير، يتحلقون حول مرشد يعلك الكلام نفسه منذ اليوم الأول في مهنته حتى الآن، وربما يشطح خياله، فيزيد من عنده قصصاً لم تشهدها هذه المدن، ويظل يلوك الكلام القديم، بينما كل سائح يصغي، وسرعان ما يقوم أحدهم بالتقاط الصور العشوائية للناس والمكان، ليعود إلى بلده، وربما يروي قصصاً مضافاً إليها من خيال المرشد، ومن خياله هو أيضاً.

المدن وجوه، ومن عرف الفراسة، استطاع قراءة ملامح هذه المدن، فمن المدن ما يرتدي قناعاً ناعماً، بينما في جوفها تكمُرُ قسوةً وجلافة. وهناك مدينة مراوغة، تقودنا إلى سرداب سرابها، وتختفي. وهناك مدينة تخدعنا، لتفاجئنا بمتاهات مركّبة. وهناك مدينة رؤوم تفتح ذراعيها لنا، عاطفةً علينا، تمنحنا ابتسامة صادقة، وهي تضع في أيدينا مفاتيحها واحداً واحداً. وهناك مدينة مضيافة، ترحب بنا، ومنذ اليوم الأول نشعر كأننا مولودون فيها، لسنا غرباء، ولسنا عابرين. وهناك مدينة فاتنة، سرعان ما نقع في عشقها، تمنحنا الفرح بكل اللغات، وعلامتها أنها بيت الجميع، وبيت القصيد.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة