مليحة المليحة - الإمارات اليوم

أبواب

مليحة المليحة

علي العامري

منطقة مليحة كنز أثري كبير، يروي قصصاً عن حياة الإنسان منذ آلاف السنين، وتحوي سجلاً متصلاً منذ العصر الحجري القديم، ثم الحديث فالبرونزي والحديدي وما قبل الإسلام، ومن النادر أن يتوافر هذا التسلسل الزمني في منطقة بعينها، لكن مليحة التي تبعد 50 كيلومتراً عن مدينة الشارقة، تسرد في كتابها الحجري سيرة حضارة راسخة، تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وقد أثبتت اللقى الأثرية أن تلك المنطقة كانت مملكة لها نظامها السياسي والإداري والمالي، ومعتقداتها وثقافتها وحياتها الاجتماعية، وتشير الآثار فيها إلى طقوس متعددة كان يمارسها الإنسان في تلك الأزمنة.

• من أبرز ما يلفت الانتباه وجود مركز سك العملات في مليحة قبل نحو 5000 سنة والعثور على نقش جنائزي باللغة الآرامية واللغة العربية الجنوبية بالخط المسند.

كنت في مليحة المليحة، المسورة بالجبال والجَمال، في جولة صحافية نظمتها هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق)، يوم السبت الماضي. وكانت هذه الزيارة فرصة نادرة، إذ تستهويني الآثار، وبالتحديد القصص التي ترويها، إذ إن اللقى الأثرية كتاب مرقّشة بالرسوم والرموز والعلامات، التي تفتح بوابة معرفة مراحل من حياة كانت قبل آلاف السنين، وتعد اللقى الشاهد الوحيد الذي ينطق بما مضى.

الخطوة الأولى في «الأزمنة المليحية» كانت في مركز مليحة للآثار، الذي شيد بشكل يتوافق مع البيئة المحيطة، من حيث المواد والألوان الصحراوية. وكان ما في الداخل مفاجأة مدهشة، من حيث التصميم البديع، واستخدام طرق حديثة تفاعلية لعرض المعلومات والأفلام والصور، وكان المرشد الإماراتي الشاب مُلمّاً بالمعلومات المتعلقة بسيرة مليحة الأثرية، وفي الوقت نفسه أشار إلى وجود خبير الآثار عيسى يوسف، مراقب المسح والتنقيبات الأثرية في إدارة الآثار، الذي يعرف كثيراً من التفاصيل الأثرية في المنطقة. وبالفعل، وخلال جولة ميدانية في مواقع أثرية، تحدث الخبير عن القصر والمقابر الجنائزية، خصوصاً المدفن الدائري الذي يعود إلى عام 2300 قبل الميلاد، وكذلك بيت المزرعة، وموقع إعداد الخبز. وأكد أن العلاقات الثقافية كانت متواصلة بين مملكة مليحة وبلاد وادي الرافدين.

وكان من أبرز ما يلفت الانتباه وجود مركز سك العملات في مليحة قبل نحو 5000 سنة، والعثور على نقش جنائزي باللغة الآرامية واللغة العربية الجنوبية بالخط المسند، وكان هذا الكشف دليلاً حاسماً على مملكة عُمان القديمة، إذ كتب على شاهد القبر اسم كاهن ملك عُمان. ومن بين الطقوس المثيرة، ما يسمى «طقس البليّة»، إذ كان يدفن الحصان أو الجمل مع صاحبه المتوفى. وتبيِّن المكتشفات أيضاً أن أزمنة قديمة شهدت تهجين الجِمال، كما وجدت رسوم محفورة في الصخر لسلالة من الخيل، تُظهر بعض ملامح الحصان العربي.

وكان صاحب السمو الشيخ سلطان القاسمي أنقذ كنوزاً منهوبة من إمارة الشارقة، وروى قصة تلك المجموعة الأثرية التي أهداها إلى متحف الشارقة للآثار «تنقلت تلك المجموعة، بعد سرقتها من مواقع أثرية في الشارقة، بين باريس ولندن ونيويورك، واستطعت بجهود شخصية، وبذل للأموال، أن أستعيدها بعد أن أخذت من الشارقة قبل عقود من الزمن». وأضاف أن من بين تلك المجموعة «القطعة الحجرية التي كتب عليها باللغة الحميرية القديمة، والتي اكتشفت في منطقة مليحة، وقد نقلتها بنفسي إلى المتحف البريطاني، حيث تُرجمت الكتابة الحميرية إلى العربية».

مليحة كنز في كتاب حجري، لانزال نطل على صفحاته الأولى، وسيبقى مفتوحاً لمزيد من البحث والقراءة والتحليل.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

 

 

طباعة