أبواب

أحمد معكرونة..

أحمد حسن الزعبي

يعاني أصحاب المهن التي تتعلق بالإبداع، كالشعراء والقصاصين والروائيين ورسامي الكاريكاتير والكتّاب الساخرين، من فوبيا «العمل الضارب»، والمقصود بـ«العمل الضارب» أن يبرز عمل من بين الأعمال يظل ملتصقاً بذاكرة القارئ أو المتابع إلى الأبد، ويحصد رواجاً وشهرة وتداولاً، ويبقى محل مقارنة بكل ما هو جديد، بحيث لا يتقبّل غيرها من المبدع في المستقبل.. فمثلاً إذا كتب الشاعر قصيدة بعنوان «صهيل الذاكرة» وانتشرت بشكل واسع جداً، ولحنت وغنّيت وعرضت على الشاشات ستصبح «عقدة» في حياة الشاعر نفسه، لأنه إذا ما كتب ما هو أجمل أقوى منها سيجد من متابعيه وقرائه من يقول له: «لا وين.. قصيدة صهيل الذاكرة» أجمل؟؟ متى ستكتب واحدة مثل صهيل الذاكرة؟ يا ترى كيف كتبت صهيل الذاكرة؟ أنا أقرأ لك كل ما تكتب لكن «صهيل الذاكرة» لا تتكرر، مهما تحاول ومهما تكتب ومهما تعيش فلن تكتب مثل «صهيل الذاكرة».. وبالتالي يكره الشاعر تلك اللحظة التي كتب فيها تلك القصيدة المشؤومة التي توقّف إعجاب الناس عندها ومنعوه يتقدّم بيتاً واحداً في مسيرته الشعرية.. ما يعانيه الشاعر يعانيه القاص والفنان والمبدع بشكل عام، فهناك عمل يأخذ مجده عند جمهور المتابعين لا تستطيع سحبه أو تجاوزه أو شطبه من مسيرتك ككل.

• ما يعانيه الشاعر يعانيه القاص والفنان والمبدع بشكل عام، فهناك عمل يأخذ مجده عند جمهور المتابعين لا تستطيع سحبه أو تجاوزه أو شطبه من مسيرتك ككل.

بالمناسبة، يحدث معي الشيء نفسه، لكن باختلاف قليل في التفاصيل، «هلكني» أحد الزملاء كلما رآني أو قابلني في مقهى أو ندوة حتى لا يخفي إعجابه بمقالة «المعكرونة»، وبعد أن يضحك طويلاً، ويهزّ رأسه يقول لي: «يخرب بيتك على مقالة المعكرونة».. المشكلة أنني لا أذكر البتّة أني كتبت مقالاً بهذا المحتوى، نفيت غير مرة معرفتي بهذا المقال لأنني فعلاً لم أكتبه ولا أذكره، وهو يصرّ على أنّي كاتبه قائلاً: «بلا كذب.. مقال المعكرونة. يوم أمك جابت لك صينية المعكرونة» ويضحك ويصفعني على خدي محبة، فأضحك مجاملاً، ثم أقول له: «آه تذكرته».. أقسم بالله العظيم أنني لم أكتب مقالاً بهذا العنوان منذ بدأت الكتابة قبل 15 عاماً، لكني مضطر إلى مسايرة هذا الإعجاب الكبير بالمقال الذي لم أكتبه.. المشكلة أن الزميل نفسه صار يحرجني أمام الزملاء والقرّاء في المناسبات العامة عندنا يقول لي: «استحلفك بالله.. أن تحكي لهم مقال المعكرونة».. فأتهّرب منه بطرق دبلوماسية عدة، تحت حجة أن الوقت غير ملائم، و«بلاش فضايح» و«استر عليّ» ليعود يضحك من جديد، وهو في قمة طربه للمقال التافه الذي لم تخطه يدي ويقرصني في خدّي من جديد محبّة..

 

قبل احتفال رأس السنة وفي شارع عام، طلبت مني صبية متابعة أن نتصوّر «سيلفي»، وقبل أن تضغط على زرّ التصوير.. سمعت شخصاً يقول من بعيد: «أحمد معكرونة»، نظرت إلى سيارة التاكسي المارة قربنا، وإذا به الزميل نفسه.. وحاول أن يشرح للصبية أن تطلب مني أن اقرأ لها مقالة «المعكرونة» اللعينة، لكن الحمد لله لقد أنقذتني إشارة المرور الخضراء التي فتحت دون أن تفهم الصبية ماذا يريد.

الأسبوع الماضي ونحن نهم بالخروج من صلاة المغرب، أمسك بكتفي شاب مملتئ الجسم جميل الطلّة، وقال لي: «كلما تذكّرت مقالك عن الحلاوة الطحينية» أموت ضحكاً.. فحملت حذائي وهربت إلى منتصف الشارع، فأنا لم أخلص من «المعكرونة» بعد.. حتى أعلق بالحلاوة الطحينية!

ahmedalzoubi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

 

طباعة