أبواب

القرون الوسطى الجديدة

علي العامري

هل نحن العرب نعيش الآن ما ذاقته أوروبا إبان قرونها الوسطى من مرارة وتخبط ودموية و«محاكم تفتيش»؟ وهل أصبحنا نتبادل الأدوار الآن لنعود إلى ظلامية تلك العصور الأوروبية، في حين تعيش أوروبا، والغرب عموماً، عصر التطور والفكر والثقافة والاختراعات والتنوع الذي عشناه في العصور الوسطى الأوروبية؟ هل سلمنا راية الإشعاع المعرفي إلى الغرب وتخلينا عن دورنا الحضاري، مستسلمين للعيش في ماضي أوروبا الوسيط؟ ولكن هل بعد هذه الفوضى الظلامية عتبة إلى عصر نهضة عربي مثلما تخطت أوروبا قرونها المعتمة، وارتقت في عصر النهضة، لتفتح بوابة مستقبلها التنويري والمعرفي والإبداعي والصناعي؟

• على الرغم من قتامة الصورة، إلا أن هناك دعوات لتكنيس الظلام الذي تراكم على الزمن العربي، وهناك مشروعات حقيقية تسعى إلى تحرير الأمل من أجل نهضة عربية شاملة، وهناك وعي جديد يتشكل لاستعادة الهمّة الحضارية للأمة، والإسهام في سيرة الإنسان على كوكب الأرض.

أسئلة جارحة تتوالى الآن حول مصير أمة كانت في يوم ما عنوان الحضارة والعلم والثقافة، وكانت محجاً لطالبي المعرفة من بلدان العالم، حين كانت دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة ومراكش وغيرها من المدن العربية مراكز نور، لا بؤر ظلام، حين كانت الأندلس تنبض بضوء إلى العالم كله، حين كان بيننا ابن رشد والفارابي وابن عربي والكندي وابن سينا والرازي وابن الطفيل وغيرهم من فلاسفة العرب وعلمائهم. لكن الآن، يحق لنا أن نتساءل عن مصيرنا وعن مدى قدرتنا على استنهاض الأمل والعمل، للإسهام في تأسيس عصر نهضة عربي، والإسهام في الحضارة الإنسانية، والتخلص من دور «المستهلك».

أتساءل عن مصيرنا، وأنا أرى عتمة تتعاظم في العقل والأرض، فكما كان الظلام والدم والتكميم عناصر أولى في العصور الظلامية الأوروبية، ها نحن نتبادل الأدوار، لنعيش تلك العصور الوسطى مجدداً، حيث التطرف الدموي يستشري في مناطق عربية، كانت يوماً ما مراكز للتنوير، ونرى كل يوم أشكالاً إجرامية تماثل تلك الأشكال التي كانت سائدة في أوروبا القرون الوسطى. ونرى الضيق بالاختلاق، ومحاصرة أي دعوة للتحديث، وتضييق الخناق على أي اجتهاد وإبداع وابتكار. ونرى ظلامية تتمدد في عقول وجغرافيا عربية، ونرى القتل اليومي، واسترجاع نظام «السبي» والتكفير، وادعاء حيازة الحقيقة، ونرى الجهل والهمجية والتخلف، عناصر أولى في منظومة التطرف الدموي. ونرى عودة التخندق الطائفي، حتى في أوساط بعض «المثقفين» الذين أصبحوا دعاة للتفتيت الطائفي والإثني، والتشكيك حتى بالجغرافيا، وكذلك بوجود شخصيات تاريخية أو أحداث سجلها مؤرخون وجغرافيون، فبعدما كان الوطن العربي يمثل لوحة فسيفساء حيوية بتنوع مكوناتها ووحدتها الكلية، أصبح البعض يسعى إلى نزع قطع الفسيفساء التي يرى أنها تخصه طائفياً أو إثنياً، وهو بهذا التخندق الضيق يسعى إلى تشوية اللوحة التي جمعت عناصر متنوعة في نسيجها وجمالياتها وحيويتها.

لكن، على الرغم من قتامة الصورة، إلا أن هناك دعوات لتكنيس الظلام الذي تراكم على الزمن العربي، وهناك مشروعات حقيقية تسعى إلى تحرير الأمل من أجل نهضة عربية شاملة، وهناك وعي جديد يتشكل لاستعادة الهمّة الحضارية للأمة، والإسهام في سيرة الإنسان على كوكب الأرض.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة