٥ دقائق

في غيابة الجب

سعيد المقبالي

من شدة غيرة إخوانه منه، وجد يوسف عليه السلام نفسه في غيابة الجب، رغبة من إخوانه في تهميش وجوده في قلب والدهم، والقضاء على تميزه العائلي، وكي يخلو قلب والدهم لهم.

 

هذه الممارسة البشرية لم تكن حادثة خاصة بأبناء يعقوب عليه السلام، بل لاتزال مستمرة إلى زماننا هذا، الكثيرون لايزالون يُلقى بهم في قيعان «الأجباب»، ولو أنها علمياً ليست كتلك البئر الواسعة التي أُلقي فيها يوسف عليه السلام، إنها «غيابات أجبابٍ افتراضية» نجدها في بيوتنا وفي مواقع العمل وفي المجتمع بشكل عام، يصل إليها أبناؤنا بسبب تهميشنا لهم وابتعادنا عنهم وتجاهلنا لوجودهم، ويصل إليها كذلك الموظفون الشباب، ويصل إليها كبار السن في المجتمع بشكل عام، بسبب تجاهلنا لهم.

مهما كان الشخص الذي يجد نفسه «مستبعداً» عن المشاركة مع محيطه، إذا طالت به المدة في قاع التجاهل، سيتعلق بأول حبل يرمى إليه في ذلك القاع.

 

المصيبة أننا لا نعلم ماذا سيجد أبناؤنا في «غيابة الجب»، ولا نعلم ما هي أنواع الأفاعي الشيطانية التي تتربص بهم في ذلك القاع الذي ألقينا بهم فيه، ولا نعلم حجم الألم والنزيف النفسي الذي يتعرض له أبناؤنا في «غيابة التجاهل والتهميش»، كذلك هم الموظفون الشباب في المؤسسات المختلفة، وما يمكن أن يتسبب فيه التجاهل والإهمال والتهميش لهم، وأيضاً لا نعلم إلى أي مدى سنتسبب في فقدان ثروة من الحكمة والتاريخ الشفاهي عند إهمالنا لكبار السن في مجتمعنا وتهميشهم.

الإهمال والتجاهل والتهميش التي شبهناها بـ«غيابة الجب» تكون أحياناً غير مقصودة، خصوصاً في حالات إهمال الأبناء أو كبار السن، وأحياناً يكون سببها شبيهاً بالسبب الذي أوصل يوسف عليه السلام إلى قاع البئر «الغيرة والخوف من وجود الآخر»، وهذا الأمر كثيراً ما ستجدونه في المؤسسات، ويُلقى بسببه شباب مبدعون في غيابات التجاهل والتهميش المقصود.

مهما كان الشخص الذي يجد نفسه «مستبعداً» عن المشاركة مع محيطه، إذا طالت به المدة في قاع التجاهل، سيتعلق بأول حبل يرمى إليه في ذلك القاع، تماماً كما ألقى «السيارة» على يوسف عليه السلام حبلاً، لإخراجه من تلك البئر.

وأي شخصٍ عندما تأتيه الفرصة سيسلم نفسه لمن يعرض عليه إخراجه من قاع التجاهل والإهمال، كما استسلم يوسف عليه السلام لأولئك «السيارة» الذين اشتروه بثمن بخس «دراهم معدودة»، إلا أن تلك الصفقة كانت بقدرة الله سبحانه التي خص بها نبيه عليه السلام باب واسع لمنزلة اختاره الله لها، أما شبابنا وأبناؤنا الذين سيلتقطونهم «سيارة هذا الزمان» من قيعان التجاهل والإهمال فلن يجدوا في الأغلب إلا البيع بثمن بخس، لتوجهات فكرية ترميهم في مستنقعات الضياع، وتحولهم إلى أدوات للعبث بأمن المجتمع.

ربما سيقول البعض نحن ولله الحمد في دولة وضعت كل إمكاناتها للتصدي لأصحاب النفوس البغيضة الذين يحاولون سحب أبناء الوطن إلى مستنقعاتهم، ونقول فعلاً هو كذلك، ولكن نحن وسط عالم مفتوح، والسموم تهب علينا من كل صوب، فإذا لم نتكاتف مع المؤسسات الأمنية المعنية، ونسيطر على تلك الأسباب (التجاهل والإهمال)، التي تدفع الأبناء أو الموظفين إلى حمل الحقد والضغينة للمجتمع، فسنكون مساهمين في فتح ثغرات لمن تسعى الدولة لصدهم عن أبنائنا، وسنسهل لهم الوصول لفلذات أكبادنا ولإخواننا، بسبب غفلتنا عنهم أو بتعمدنا الإبقاء عليهم في «غيابة الجب».

أخيراً..

 

تجاهل وإهمال وتهميش الأبناء أو الموظفين أو كبار السن، تتسبب في خسارة الوطن لطاقات وأفكار ومعلومات لو تم استغلالها بالشكل السليم لشكلت مكتسبات وطنية لا يستهان بها، ولو استمر ذلك الإهمال فسنكون نحن السبب الأول في الإضرار بمكتسبات الوطن.

 

saeed@uae.net

 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة