أبواب

إنه رمضان

خليل قنديل

إنه رمضان الشهر الدهري في قائمة التقويم، حيث يقف وقفته التي تكاد تكون أبدية في ممارسة طفولته الزمنية والتقويمية ويبدأ في كل عام تجديد روحه، حيث يمتلك قدرته الخاصة على إعادة دورته الزمنية، فيقتاد الأعمار الى الذاكرة الطفولية الاولى، واقتياد العائلة جميعها الى تبرعم الذاكرة الأولى وعلاقتها الأولية مع الزمن.

«هو رمضان إذن الذي كان يعانقنا في كل عام ليعيد تخليق طقوسه من جديد».


«رمضان سيد الذاكرة التقويمية وعلامتها التي ترفض التغييب والاندثار».

هو رمضان إذن الذي كبر معنا وظل يمتلك همته التقويمية في إعادة استدراج طفولتنا نحو منابعها الأولى ونحو الانطلاق الأول لهمة المخيال الذي كان يستلنا من طفولة الجوع، ويذهب بنا نحو المخيال المتأجج، الذي كان يرسم لنا همة رب العائلة وتقواه المبكر عند صلاة الصبح وقراءة قصار السور، وهلع الأم في مراقبة إيقاظ أفراد العائلة ومن ثم محاولة أنسنة رمضان، وهي تحكي لقطاطيم الدار عن زائر طفل سوف يدخل بوابة الدار، وذلك ليقيم مدة شهر كامل في الدار كي يراقب التقوى البيتية، وهي ترتسم في ابتسامة الأب سيد البيت المطلق وهو يحاول أن يكون أكثر رقة وتسامحاً مع إطلالة أول أيام الشهر الفضيل، وكي يراقب أيضاً همة الأم المذعورة دائماً مع كل جديد! فتبدو مرتبكة وخائفة على صحة آخر العنقود الذي يغامر بصحته في إقدامه على صيامه الأول في رمضانه الاول!

ها هو رمضاننا الأول يستعيد صحته التقويمية وهو يجدد عقد العائلة في أول أيام رمضان، حيث يرقب الحكايات وهي تتسلل من معطفه الزمني لتعيد صياغة علاقة العائلة مع التدين والمواظبة على الصلاة والتعرف من جديد إلى الطريق العفوي إلى المسجد! وها هو البيت يجدد وضعه الانقلابي على رتابة الوجبات ومحاولة إعادة صياغتها من جديد ليبدو الطعام كأنه يعيد تذوق طعمه من جديد!

هو رمضان الذي عاد ليتخلق من جديد بعد غياب استمر مدة عام كامل وبدأ ببث ذكراه من جديد، الحسرة الطعامية التي ترتسم في ملامح صغار الدار والتحويشة الطعامية لكل واحد منهم.

هو رمضان الذي عاد من جديد ليرسم خطى أيامه وثقل مشيته الدهرية وهي توزع على خارطة اليوم ما بين سحور وترقب مرور الوقت الصبياني الجائع، ومشاهدة مؤذن المسجد وتتبع خطواته المبشرة في توزيع وقت الظهيرة وصلاة الظهر، ومن ثم صلاة العصر، وذاك الانتظار المميت لصعوده سلالم المئذنة، وتلك الضجة الفرحة التي كان يصنعها قدوم لحظة الغريب وصيحة الله أكبر عند صلاة المغرب، التي كانت تبث الفرحة في العروق وترسم خطى أفراد العائلة، وهم يتجهون بفرحة نادرة نحو إعادة صياغة اليوم من جديد! إعادة العلاقة مع الدنيا ومشاغلها من جديد.

هو رمضان الذي كان يباغتنا بحضوره مع كل عام ونحن ننتظر مشاهدة هلاله الذي كان يتجدد في كل عام ليتحول الى قنديل خاص للكوكب الأرضي، وهو رمضان الذي كان في كل عام يعيد تجديد خلقه الذاتي ليجدد علاقتنا الأبدية مع التقويم من جديد.

هو رمضان إذن الذي كان يعانقنا في كل عام ليعيد تخليق طقوسه من جديد ليجدد علاقتنا مع أيامه النحيلة واسترداد تقوى ملامحنا من جديد، وليعيد لنا همتنا التقويمية وإعادة علاقتها مع الوقت وتجزيئه بالصلوات الخمس، وإقبالنا على تفقد أرواحنا وتفقد قائمة الفقراء!

هو رمضان سيد الذاكرة التقويمية وعلامتها التي ترفض التغييب والاندثار فأهلاً بعودته ونحن نجدد عقد الحياة من جديد.

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة