أبواب

لغز الماء الأندلسي

علي العامري

عندما تبحث عن كتاب تتشوق لقراءته، وتجده بين يديك، فهذا فوز ممتع. وقد حدث معي حين وجدت كتاب «لغز الماء في الأندلس»، الذي كنت أعرف عنه بعض المعلومات القليلة والمشوقة حين صدر باللغة الإسبانية قبل سنوات. ولكن حين وصلت إلى الكتاب مترجماً إلى العربية، كان هذا بمثابة كنز معرفي وجمالي ممتع.

قبل أيام بدأت بقراءة الكتاب الذي ألفه بالإسبانية المؤرخ شريف عبدالرحمن جاه، وترجمته إلى العربية الدكتورة زينب بنياية، وكانت القراءة بمثابة رحلة سحرية تطوف بي في أرجاء الأندلس ما بين القرنين الثامن والخامس عشر الميلاديين. وكانت القراءة تتفتح مثل زهور ورياحين وجنائن ذلك «الفردوس الأندلسي».

النوافذ العالية التي تلامس الأرض تدخل الضوء الطبيعي، وفي الوقت ذاته «تستضيف المنظر»، إذ إن الأندلسي الشغوف بالطبيعة والحياة في ريف الهواء الطلق، لا يستغني عن المشهد الطبيعي، حتى وهو في مجلسه الداخلي.


كان الماء هو كلمة السر الأولى، علاوة على الانفتاح على الإرث الإنساني في أنظمة الري وتقنياته، والهمّة العالية في تطوير أساليب جديدة في الفلاحة الأندلسية التي غدت لها مدارس متعددة.

وخلال ثلاث جلسات كانت الرحلة اكتملت، لكنها تفتح بوابة جديدة لرحلات مرتبطة بموضوع الكتاب ذاته. ففي البدء يجذب عنوان الكتاب «لغز الماء في الأندلس» القارئ ليرتحل بين صفحاته ويتمعن في صوره البديعة، إذ إن الكتاب يتضمن عرضاً تاريخياً وثقافياً واجتماعياً لسيرة الماء في حضارة العرب الأندلسية، ويطوف في المدن والقرى متتبعاً ما أحدثه العرب من حضارة خضراء في تلك البلاد. وكان الماء هو كلمة السر الأولى، علاوة على الانفتاح على الإرث الإنساني في أنظمة الري وتقنياته، والهمة العالية في تطوير أساليب جديدة في الفلاحة الأندلسية التي غدت لها مدارس عدة. وكان الأندلسيون استفادوا من إرث الرومان في بناء القناطر والقنوات، كما استفاد الرومان من المعرفة الإغريقية في هذا الشأن، وكما استفاد الإغريق أيضاً من المعارف الفرعونية المتعلقة بالماء.

ويؤكد الكتاب الشراكة المعرفية بين شعوب الأرض وحضاراتها المتتالية، لكنه لا ينسى ذكر مرجعيات تلك المعارف. ويبين أن عرب الأندلس أبدعوا في ابتكار وتطوير نظام الري، ما جعل الأندلس جنة خضراء، حتى إن قصائد «الروضيات» غدت محوراً أساسياً في الشعر الأندلسي. ويبين مؤلف الكتاب شريف جاه، الإسباني من أصل مغربي، أن الأندلس قامت على ثقافة الماء، ويذكر الإنجازات الكبرى في مضمار الزراعة، كما يوضح دلالات متعددة للماء في الأندلس، منها دلالة دينية تتمثل في الطهارة ضمن التصور الإسلامي، ودلالة معيشية تتمثل في توفير القوت وتصديره من خلال الزراعة، وبعد ذلك انتقلت دلالة الماء إلى مستوى جمالي.

ويذكر أن الماء والمعمار وهندسة الحدائق، كيف تتناغم هذه العناصر بشكل يفيض جمالاً. ولاتزال شواهد عدة شاخصة إلى الآن على «لغز الماء» الأندلسي، إذ إن القصور الأندلسية تجمع بين عناصرها الماء والنقوش والأروقة والأقواس والفضاءات والحدائق والألوان. وفي هذا الجانب يصف الكتاب كيف أن النوافذ العالية التي تلامس الأرض تدخل الضوء الطبيعي، وفي الوقت ذاته «تستضيف المنظر»، إذ إن الأندلسي الشغوف بالطبيعة والحياة في ريف الهواء الطلق، لا يستغني عن استضافة المشهد الطبيعي، حتى وهو في مجلسه الداخلي. ويظهر الأثر السحري للماء من خلال توستعه الفضاء البصري في المعمار، إذ تمثل صفحة الماء سطحاً مرآوياً يضاعف المساحات، وفي الوقت نفسه يتلاعب بالأشكال الهندسية ويحرك السواكن، خصوصاً أن يد الهواء ترجرج سطح الماء، ويترجرج بذلك الضوء الساقط والمنعكس على النقوش والحروف والزخارف في الواجهات الحجرية.

وكما ذكر الكتاب، فإن الماء يلعب بالحواس، ويوصلها إلى نشوة السحر.

هذا هو الماء، وتلك تجلياته السحرية في الأندلس.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة