كل جمعة

مصحّة عقلية

باسل رفايعة

تقول الطُرْفةُ الذائعةُ على مواقع التواصل الاجتماعي، إنّ سنيّاً وشيعيّاً تشاجرا في لندن، حتى سالت دماؤهما، وبعد التحقيق في مركز الشرطة، سألهما قاضٍ بريطانيّ عن السبب الحقيقي للمشاجرة، ودوافعها، ليفهم أنّ الأمر يتعلق بمعركة كربلاء، وتحديداً بيزيد بن معاوية، والحسين بن علي، اللذيْن طلب القاضي استدعاءهما فوراً، لسماع شهادتيهما، حتى قيل له، إنهما ماتا منذ أكثر من 1332 عاماً، فضحك طويلاً، وضرب مطرقته، ثم أمر بإحالة الرجلين إلى مصحّة للأمراض العقلية.

«72 عربيّاً فقط هم ضحايا تلك الكربلاء، ولايزال النزف مستمراً، والدماء شديدة الغزارة.. مئات الآلاف من العراقيين والسوريين قُتلوا في (كربلاءات) تستنسخها إيران، ويشيحُ العربُ عنها وجوههم».

ربما تقولون: أين الطُرْفة؟ لقد كان ينقصها رجلٌّ إيرانيّ، لتكتمل الفرجة، وينفجر الضحك، مثل سيارة «داعشية» مفخخة، وقنبلة في الفلوجة أو الرمادي. كان ينقصها أن يشرحَ أحدٌ للقاضي الإنجليزيّ، بأنّ الجمرَ لا يخمد أبداً تحت الرماد العربيّ، وأن يزيدَ والحسين لايزالان يتقاتلان على الأسباب نفسها. أحفادهما قرروا أن الحرب لم تنته، وأن الأحقاد لا تموت. المختلف هو السلاح، ومعه الجنرال الفارسي، الذي ينفخ على نارٍ وقودُها العربُ، وتاريخهم، ومصيرهم الذي صار مرهوناً لكل هذا الجنون والتوحش.

أين الطُرْفةُ؟ «داعش»، الذي تركناه ممثلاً وحيداً للسنّة في هذه المعركة المخزية، تمكن من خداع الحواضن الاجتماعية في العراق وسورية، مستفيداً من وضوح إيران وشعارها المذهبي المرفوع على الدبابات. «داعش»، الذي نعرفُ أنه ليس تنظيماً مُسلماً من حيثُ هو، يرفعُ الآن لواء أهل «السنّة والجماعة»، بعدما أمعن في همجيته ضدّ السنّة، قبل الشيعة والإيزيديين والمسيحيين والأكراد، وغيرهم.

«داعش»، الذي راقتْ لهمجيته اللعبة، بات يريد تدمير العتبات، والروضتين الحسينية والحيدرية، ومقام زين العابدين في العراق، وثمّة من سبقه إلى هذا الانحدار. بشار الأسد، ونوري المالكي، ثم حسن نصرالله، وقد نقل مقاتليه من قبالة مزارع شبعا في مواجهة إسرائيل إلى سورية، وقالها، دونما خجل: «لقد جئنا لحماية القبور». كان يعني مرقديْ السيدتين زينب بنت علي بن أبي طالب، ورقية بنت الحسين، ومقام عمار بن ياسر في سورية، التي حكمها الأمويون 88 عاماً.

هكذا، أيها القاضي الإنجليزي، لئلا يفوتك سطرٌ واحدٌ من الفضيحة، ونزيدكَ شرحاً، بأن معركة كربلاء وقعت في العام الميلادي 680، وأن مراجع السنّة والشيعة تختلف على كل خلفياتها وتفاصيلها، لكنها تجمعُ على أنّ الحسين بن علي قُتل مع 71 عربيّاً، ليس بينهم إيرانيّ واحد، بعد خذلان أنصاره، وإثرَ مواجهة غير متكافئة مع جيش يزيد بن معاوية المؤلّف من 30 ألف مقاتل.

72 عربيّاً فقط هم ضحايا تلك الكربلاء، ولايزال النزف مستمراً، والدماء شديدة الغزارة. مئات الآلاف من العراقيين والسوريين قُتلوا في «كربلاءات» تستنسخها إيران، ويشيحُ العربُ عنها وجوههم. لا غرابة، سيدي القاضي، فنحن تقاتلنا، أربعين عاماً، لأن فرساً سبقت حصاناً. لا يسمح مقامك لدرسٍ في التاريخ عن «داحس والغبراء» و«البسوس». تلك حقب نسميها «جاهلية».. ونترك لك أن تصفَ حاضرنا بما «تراه مناسباً».

لا تقلْ لنا إن الحربين العالميتين أهلكتا 120 مليوناً من البشر، ثم طوت الأمم صفحات الموت، في عقود قليلة، وانضوى بعضها في الاتحاد الأوروبي، وتصافح الأميركيون واليابانيون، وشيدوا حضارتين عظيمتين. لا تقلْ لنا إن الحرب الأهلية الإسبانية أسقطت نصف مليون قتيل، فنحن أمة تنتحر، لدينا انتحاريون يفجّرون حتى المساجد، لأن الشيعة يُصلّون فيها، ولعلك لا تعرف حال الفلوجة، قبل أيام. فـ«الحشد الشعبي» رأى كل المارة في شوارعها «دواعش»، يجب أن تتولاهم «كتائب الإمام علي».

أيّها القاضي الإنجليزي.. نناشدكَ الصفحَ عن الرجلين، فمعظمنا يستحقُّ مصحّة للأمراض العقلية.

brafayh@ey.ae

twitter@basilrafayeh

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة