أبواب

بيت رفيق اللحام

علي العامري

على الرغم من ريادة الفنان التشكيلي محمد رفيق اللحام، وإسهاماته الكبيرة في التأسيس لحركة تشكيلية في الأردن، منذ خمسينات القرن الماضي، وعلى الرغم من كونه واحداً من أعلام الثقافة، إلا أنه لم يأخذ حقه في الانتشار والتكريم وتوثيق مسيرته الزاخرة بتفاصيل من تاريخ الفن، علاوة على معايشته لأعلام في الثقافة والسياسة على حد سواء.

سرعان ما اتضح لنا مدى شغف الفنان اللحام بالتوثيق، لأنه يعي تماماً مدى أهمية الوثيقة في المستقبل، خصوصاً لمعرفة مرجعيات التأسيس وتقديم تاريخ حقيقي للأجيال، لا يعتمد على الشفاهية التي ينتابها في كثير من الحالات بعض الوهن والإضافة والحذف.


ظل رفيق اللحام وفياً للمكان، فكانت القدس والبتراء وعمّان علامات أيقونية في سيرته الفنية. وظل شغوفاً بالتجريب بتقنيات وخامات متنوعة، وكان رائداً في استخدام الرمل والحرف العربي في اللوحة.

هذا الرأي خرجت به، بعد زيارة لبيت الفنان رفيق اللحام في عمّان، برفقة شقيقي محمد العامري والصديقين نواف يونس وإسماعيل الرفاعي، في 28 مايو الماضي. كما تساءلت عن غياب متحف يحمل اسم اللحام الذي يستعد لمعرض من 1000 لوحة، يمثل مراحله الفنية على امتداد 65 عاماً من الاشتغال الجمالي. كما أن بيته يعد متحفاً شخصياً، بمئات الأعمال الفنية، في الغرف والممرات والخزائن، حتى أن غرفة نوم تحولت إلى معرض على السرير والجدران، ويمكنني وصف بيت الفنان بأنه «بيت بصري» بامتياز.

على الموعد المحدد، كان اللحام ينتظرنا، دعانا للجلوس، بينما بقي واقفاً، وبعد تقديم الضيافة، بدأ بسرد الذاكرة عن نشوء الحركة التشكيلية في الأردن، عارضاً وثائق نادرة من كتيبات المعارض الأولى وأسماء الفنانين الأوائل، والهواة الذين أصبح عدد منهم من الأسماء المعروفة. كما تحدث عن بداية السينما، وقيام وفد بجلب أجهزة ومعدات من مدينة نابلس.

سرعان ما اتضح لنا مدى شغف اللحام بالتوثيق، لأنه يعي مدى أهمية الوثيقة، لمعرفة الذات ومرجعيات التأسيس وتقديم تاريخ حقيقي للأجيال، بعيداً عن الشفاهية التي ينتابها وَهَنٌ وإضافة وحذف.

على جدران الصالة لوحات لمراحل الفنان ولفنانين آخرين، إذ يحتفي بأعمال زملائه، ويتحدث عنها بحب. كما تتزين جدران الصالة بشهادات وأوسمة رفيعة، وقد لفتت نظري شهادة وسام بخط مغربي، مع زخرفة نباتية، وحين اقتربت منها وجدت أنها تحمل ختم محمد بن يوسف بن الحسن، ملك المغرب الذي توفي عام 1961، وكان منح الفنان رفيق اللحام وساماً رفيعاً في 29 يناير 1960. وعلى الرغم من مرور 55 عاماً على تلك الشهادة، إلا أنها لم تتعرض لأي تلف، ما يشير إلى البعد التوثيقي في شخصية الفنان، الذي يعد ذاكرة الفن في الأردن. وهو من مؤسسي رابطة التشكيليين الأردنيين في مطلع الخمسينات، واتحاد الفنانين التشكيليين العرب في مطلع السبعينات من القرن الماضي. وكان للفنان محمد العامري جهد مميز في توثيق سيرة الفنان رفيق اللحام في كتابه «الشاهد والتجربة» الصادر عام 2001.

رفيق اللحام المولود في دمشق عام 1931 يواصل اشتغالاته الجمالية، وهو يتمتع بحيوية الفنان وقلقه الإبداعي، ومنذ الخمسينات لم يتوقف عن البحث الجمالي، إذ يعد رائداً في تضمين اللوحة الحرف العربي، خصوصاً أنه تتلمذ على يد أستاذ الخط نجاة قصاب حسن، مثلما درس الفن على يد الفنان ميشيل كرشة، قبل أن يدرسه في كلية الفنون في إيطاليا. وكان في أعماله الفنية وفياً للمكان، فكانت القدس والبتراء وعمّان علامات أيقونية في سيرته الفنية. كما أنه شغوف بالتجريب بمختلف التقنيات والخامات، وكان رائداً في استخدام الرمل في الأعمال الفنية.

اللحام، فنان محب، وهو يؤكد أن الفنان الحقيقي كريم بطبعه، وإنساني برهافة. وروى حكايته مع عنكبوت صغير يكاد لا يرى، وكيف تحاشى إيذاءه خلال الرسم. وهو بذلك يقدم نموذجاً للفنان وحريته وقيمه وشغفه الذي لا يحد.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة