أبواب

عائلة من طليطلة

علي العامري

المدن مثل أهلها، ومدينة طليطلة الإسبانية تشبه بالفعل أهلها من حيث روح الصداقة والتعايش وتقبل الآخر والانفتاح على الثقافات، حتى أن مدرسة طليطلة للمترجمين تعد منارة حقيقية ومنبراً للتواصل بين الحضارات.

علاقتي بعائلة صديقي الإسباني فيديل متواصلة، وكما قالت ماريا «البيت بيتك»، فاجأني فيديل منذ أيام، حين أرسل لي مع ابنته الفنانة إريني علبة خزفية منقوشة بأشكال أندلسية، وحين فتحتها وجدت مفتاحين، مفتاح البوابة ومفتاح البيت الطليطلي.

يقع البيت الطليطلي على النهر، تجولنا على ضفته القريبة، أنا وفيديل الذي كان يتحدث بالإشارات، ويدلني على نقش عربي على برج، ويحدثني عن أثر المعمار العربي الأندلسي.

زرت طليطلة للمرة الأولى العام الماضي، مشاركاً في مهرجانها الشعري الذي يحول المدينة إلى «قصيدة» عالية على هضبة، يحيط بها نهر تاخو «التاج» من ثلاث جهات. وخلال المهرجان كانت العائلات تستضيف الشعراء في بيوتها، وقد حللت ضيفاً في بيت عائلة من أربع أفراد، الأب فيديل، والأم ماريا، وابنتيهما الفنانة التشكيلية أريني، والطالبة في مدرسة ثانوية خوليا.

في بيت فيديل الذي سرعان ما صار صديقاً قريباً من القلب، على الرغم من عدم تحدثه اللغة الإنجليزية، لأصبح فرداً جديداً في العائلة الطليطلية. لدي نسخ من مفتاح البوابة الخارجية ومفتاح البيت، ولدي غرفة ونافذة للشمس.

لدى وصولي إلى موقع المهرجان، كانت ماريا وخوليا في استقبالي، وعندما وصلنا إلى البيت قالت الأم «البيت بيتك»، فعرفت أول القواسم المشتركة بين ثقافتي وثقافة هذه العائلة. وعرفت لاحقاً بعد معايشة الناس والأمكنة أن أثر الثقافة العربية ومفهوم الكرم والضيافة يسري في عروق البشر والحجر أيضاً.

طليطلة التي لاتزال تحتفظ ببصمة عربية في كثير من معالمها، وصفت بأنها مدينة لتعايش الثقافات، كما وصفت بالمدينة الحصينة، ولقبت أيضاً بمدينة التسامح، والمدينة التي يجتمع فيها الفن والعلم. وفي بيت صديقي فيديل لوحات فنية ومنحوتات وصور تسرد حكاية المدينة، حتى أن سيفاً معلقاً على أحد الجدران يشير إلى التاريخ من جهة، وإلى ما تشتهر به المدينة من صناعات.

يقع البيت الطليطلي على النهر، الذي تجولنا على ضفته القريبة، أنا وفيديل، الذي كان يتحدث بالإشارات وتعبيرات الوجه، كان يتحدث بجسده، ويدلني على نقش عربي على جانب من الأبراج الحجرية، كما يحدثني عن فن المعمار العربي الأندلسي الذي لايزال حاضراً في عمارة المدينة بعد إضافة عناصر إسبانية إليه، إذ يسمى النمط المعماري بالمذخر أو المهجن.

مررنا على التاريخ قرب نهر تاخو، وهناك وقفت أمام لافتة تصور مسار رحلة «دون كيشوت». وكان ثيرفانتس كتب في بداية روايته «كنت ذات يوم في الكانا في طليطلة، وجاء صبي يبيع بعض الكتيبات والأوراق القديمة لتاجر حرير. أخذت كتيباً من الصبي ورأيت أنه مكتوب بحروف عربية، على نحو ما تعرفت عليها. ولما كنت لا أستطيع قراءة العربية، فقد رحت أجول ببصري في المكان من حولي ريثما أعثر على مغربي يجيد العربية ليقرأها لي».

ومنذ الصيف الماضي، لاتزال علاقتي بعائلة صديقي الإسباني فيديل متواصلة، وبالفعل وكما قالت ماريا «البيت بيتك»، فاجأني فيديل منذ أيام، حين أرسل لي مع ابنته الفنانة إريني علبة خزفية منقوشة بأشكال أندلسية، وحين فتحتها وجدت مفتاحين، مفتاح البوابة ومفتاح البيت الطليطلي. كما كتب لي رسالة يرحب بي وبعائلتي في أي وقت. كما لمست حزنه الشديد في حروف الرسالة واحتجاجه على ما وصفه بـ«تخريب» جسر نهر تاخو، وكتب إن «هؤلاء الساسة لا يعرفون قيمة التاريخ بالنسبة للشعوب، لذلك يجري تدمير الأثر».

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

 

طباعة