كل جمعة

اليسار الإيراني..

باسل رفايعة

انتهى اليسار العربي أو كاد.. هذه مكاسب الربيع وخسائره أيضاً، الاستثناء يتعلق بنخب نقدية، لم تتورط في الانسياق وراء شعارات متقاعدة، أو أفكار تتوهّم أن العالم لم يغادر خمسينات القرن الماضي.

أكثر الشواهد على إيقاع النهاية، تجسّده إيران اليمينيّة ــ الطائفيّة التي ترعى اليسار العربي، وتستخدمه وقوداً في حروبها المتعددة، وغطاءً لأحلامها الإمبراطورية، ولا شيء أفضل لديها من وقوف شيوعيين وقوميين مع دولة دينية، لا تأبه للحقوق المدنية والديمقراطية، ولا تسمح أساساً لأحزاب يسارية بالوجود، أو العمل فيها، هذه خدمة لا تقدر بثمن، والكلفة المدفوعة زهيدة جداً: بعض عناوين جذابة عن المقاومة والممانعة، وإبادة إسرائيل، ثم الاستمرار في استهلاك مضامين الثورة الإيرانية، وملخّصها، مواجهة «الاستكبار الأميركي».

الفصام المخجل الذي يمارسه اليسار العربي، لا يشكّل ضرراً كبيراً إلا عليه نفسه، فإيران، بصفتها كياناً «مركزياً ــ تدخلياً» تُدرك جيداً أن الفائدة من هذه الظواهر الإعلامية مؤقتة.

عملياً، لا يُناصر إيران الآن، ولاسيما في بلاد الشام والعراق، سوى شيوعيين وقوميين، بينهم سلفيون وبعثيون وناصريون. الإسلامان السياسي والجهادي ضدّ المشروع الإيراني، لدوافع طائفية غالباً، وطهران لا تستحي من مضمون هذه المواجهة، ولا من شكلها، أرسلت عسكرها وحزبها وزعيمها حسن نصرالله إلى سورية، وأوفدت ضباطها وخبراءها وأسلحتها إلى العراق، ودعمت تفكيك اليمن بيدٍ حوثية، ما فعله الحشد الشعبي في محافظة صلاح الدين تجاوز قتال «داعش» إلى تصفيات طائفية، وقرى سنيّة محروقة.

اليسار العربي كان استثناء لكل قاعدة، وقع في إغراء الأكاذيب، وسقط في امتحان المصالح، ولم تكن إيران وحدها التي دفعته بقوة إلى هذه الهاوية، كان يبحث عن أي رصيد، ينقذه من الإفلاس خطاباً وأداءً وحضوراً، لنتذكر أن هذا اليسار، الأكثر يمينية من حلفائه، اصطفّ إلى جانب بشار الأسد، حينما كان يقتل متظاهرين في الشوارع، في السنة الأولى من الربيع السوري السلميّ، على نقيض تأييده للربيعين المصري والتونسي. لنتذكر أنه ردّد خرافات المؤامرة الكونية على الأسد الصغير، قبل التلفزيون السوري الرسمي، وقناتي الدنيا والمنار. لم يجد ما يفعله بعد نحو ربع قرن على انهيار الاتحاد السوفييتي، فقرر الانتحار، متخلياً عن كل الكراسات الثورية التي درسها وحفظها، ورددها عقوداً في العمل السري والسجون، حتى تضحيات رموزه ضد الدكتاتوريات العربية، طمسها في لحظة واحدة، وانحاز إلى قتلة وعصابات، على هيئة دول بوليسية.

لا يسار في إيران الخميني، اليسار الإيرانيُّ عراقيٌّ وسوريٌّ ولبنانيٌّ وأردنيٌّ وفلسطينيٌّ، تابعوا تفاصيله اليومية في ثلاثة تجمعات إعلامية، تُمولها إيران: صحيفة «الأخبار» وقناتي «الميادين» و«المنار». تدفق هائل من الكوميديا في تسويغ التدخل الإيراني في أكثر من أربع دول عربية، ولا ملل من تكرار أسطورة محور الممانعة والمقاومة، لا غرابة أن يقول لك «محلل» إن إيران تحارب «داعش» دفاعاً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية والعراق. ستجد ثانياً ندّد بـ«عاصفة الحزم»، واعتبرها تدخلاً في الشؤون اليمنية، ولم يحاول المذيع حتى أن يتذاكى على مشاهديه في تذكيره بتدخل إيران في اليمن نفسه، فضلاً عن هيمنتها على لبنان، وإرسال قواتها وحزبها الطائفي لذبح السوريين والعراقيين، على أن هذا الفصام المخجل الذي يمارسه اليسار العربي، لا يشكّل ضرراً كبيراً إلا عليه نفسه، فإيران، بصفتها كياناً «مركزياً ــ تدخلياً» تُدرك جيداً أن الفائدة من هذه الظواهر الإعلامية مؤقتة، وتعلم أن القوى اليسارية أكثر عجزاً من القدرة على أي تأثير حقيقي في الشارع العربي، وقد تقاعدت فيه مبكراً، ولم تنجز فيه ما يستحقّ الاحتفاظ بها، وهي كإمبراطورية تتوسع في الأحقاد، تعرف أنه يوقّع على نهاياته، وأنه لنْ يجدَ له ظلاً، حتى تحت شمس شديدة السطوع.

brafayh@ey.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة