أبواب

هي الأرض

خليل قنديل

هي الأرض كعادتها الدهرية تحملنا على ظهرها وتدور بنا وتمنحنا غباء الاعتقاد بأنا نحن من يملك ناصية اقتيادها نحو بهجة الشروق، ونحو عتمتها المسائية وغيابها في عماء الكوني، حيث لا شيء إلا الفضاء المطلسم بالضوء النهاري الواضح حد الاختناق.

«هي الأرض التي منحت عنقها للسائس الكوني وأعطته حق الإمساك برسن الرؤيا، كي نقاد نحو كل المثالب الوجودية وتسارع نصب الأفخاخ. وهي الأرض التي تحمل سر خطيئتنا الأولى والذهاب النهاري في انبلاج الصباحات».

هي الأرض التي منحت عنقها للسائس الكوني وأعطته حق الإمساك برسن الرؤيا كي نقاد نحو كل المثالب الوجودية وتسارع نصب الأفخاخ. وهي الأرض التي تحمل سر خطيئتنا الاولى والذهاب النهاري في انبلاج الصباحات، وتلك الطفولة التي تستيقظ كل يوم فرحة بظهور نجمة الصبح. وهي الأرض التي منحتنا ضجر المشاكسة.

وهي الأرض التي تحمل كل حماقاتنا على ظهرها وتأخذنا من فراش نومنا كل فجر لتعاود بثنا على شكل شهيق أو زفير كي تمنحنا حق الوجود مع مطلع كل نهار، وكي تشتتنا في رحابها أو حتى دهاليزها وتوقعنا في غباء الأمل والرغبة في تجديد جلد الحياة وتقشر مسامه.

هي الأرض حاملة كل هذا الحمق البشري عبر التاريخ وفصوله الدامية بالحروب والغزوات والرغبة العارمة في القتل والاحتيال عليها بالسلم والمهادنات الدولية ومواثيق السلم الدولي وكذب المعاهدات.

وهي الأرض التي ما إن تبلل ريقنا برغبة الحياة وبسملة افتتاح الصباحات حتى تبدأ بالانقلاب الفوري علينا ودس كل حماقات التاريخ في رؤوسنا، كي نبدأ بغدر المحاولات الغبية من جديد.

هي الارض حمالة الأوجه في التاريخ الانساني التي تعجن لنا طحين ذاكرتنا عند كل فجر وعند كل صباح، وهي إن جد الجد تحرث عظام موتانا لتعاود منحنا الرغبة في معاودة لعبة الوجود من جديد بالآمال والطموحات، وهي الأرض التي تحمل لقب سيدة الاحتمال لكل المواجع والجروح التي تعصف بأرواحنا.

هي الارض التي منذ تشكلها الأول وهي تحملنا نحن وكل الضغائن والانقلابات والحروب والفتن والرغبة الدائمة في مشاهدة الذبح والدم البشري المسال على حوافها.

وهي الأرض التي احتملت برفق كل أثقال كل الإغواءات البشرية في تدميرها وبث رغبة الحياة من جديد.

وهي الأرض التي احتملت كل هؤلاء القتلة الذين يعتلون صهوتها وهم يقودون الحياة نحو مقتلها التدميري بحرب النجوم والتسابق في تفجير الذرة، وهي الارض التي تربت على الاكتاف الدموية والقامات المخاتلة وقسوة قلب الديكتاتور البشري كي يهادن رغبة الوجود وفنون اللعبة الحياتية.

هي الأرض إذن سيدة كل هذه التقلبات والغدر الأرضي المزمن.

وهي الأرض التي حينما نؤلمها بوجودنا فوقها تتململ لتعيد صياغتنا بالزلازل والكوارث الطبيعية وإعادة الانسان الى مربعه الأول، مربع الرعب المزمن من الطبيعة وتقلبات الطقس ودهشة الخلق.

وهي التي تزين لنا رغبة معاودة اللعب معها من جديد، وهي تشترط علينا نسيان كل ما حدث وبداية اللعب من جديد.

هي الأرض حمالة وجه التاريخ المتغير التي ترضعنا رغبة معاودة الحياة عند كل فجر وكل صباح.

هي الأرض كان الله في عونها، وهي التي تمدنا بكل هذا الاحتمال.

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة