كل جمعة

أحلام عبدالملك الحوثي

باسل رفايعة

اطمأنّ الحوثيّ تماماً. كل شيء تحت مطلق السيطرة. جسر جوي من السلاح والمال شيّده سريعاً بين صنعاء وطهران. مضيقُ باب المندب يتسعُ أكثرَ فأكثر للسفن الإيرانية، مفتوح على مياهه للحرس الثوري، وللمستشارين العسكريين. مزيدٌ من الخناجر والرماح في الجسد العربي. حلفٌ شيطاني مع رئيس «فاته القطار». لا يريد الحوثي حواراً إلا بالبنادق. سجنَ الرئيسَ الشرعيّ، وطارده، وقصفَ بيته، ثم احتلَّ عدن. راهن على الصمت والهدوء، وربما فكّر طويلاً بالخطوة القادمة، لينشر الحزن الذي أسبغه على اليمن السعيد، تحت الشعار المشترك مع الحليف في طهران: «الموت لأميركا». لم يقتل الشعارُ سوى الشعب اليمني، بنار حاقدة، تهبّ غالباً من حطب يابس وكريه في التاريخ.

«الجنود الإيرانيون يتدربون ويتنزهون. والساسة يلعبون بالقنابل النووية. إسرائيل تتوسع في استثمار الكذب الإيراني، والولايات المتحدة لاتزال منهمكة في تعريف الخطوط الحمر، تتأرجح في التفريق بين إرهاب العصابات وإرهاب العصائب».

اطمأنّ الإيرانيّ أيضاً. المشهد ذهب إلى أقصاه في الهيمنة والغطرسة على المنطقة. طهران تريد كل شيء، وتتوقع ألا تدفع ثمناً. تعودت على «حزب الله» يقاتل ببندقيتها في لبنان، ونوري المالكي بأحقادها في العراق، وتريدُ أن يواصل الحوثيّ اليمنيّ المهمة نفسها. استطالت الأذرع في الجغرافية المجاورة والبعيدة. تزايد الحلفاء، وقرّر الخصوم اللجوء إلى الصبر. الجنود الإيرانيون يتدربون ويتنزهون. والساسة يلعبون بالقنابل النووية. إسرائيل تتوسع في استثمار الكذب الإيراني، والولايات المتحدة لاتزال منهمكة في تعريف الخطوط الحمر، تتأرجح في التفريق بين إرهاب العصابات وإرهاب العصائب.

«عاصفة الحزم» من حروبنا الضرورية. الطائرات العربية الخليجية فاجأت عبدالملك الحوثي بعمليات مكثفة ونوعية ليل أمس. ربما كانت تلك الليلة حافلة بالقات والأحلام في صعدة. ربما تلقى الزعيم اتصالاً من الجنرال قاسم سليماني، قبل النوم، عن تعميم تجربة تكريت في صنعاء أو عدن أو حضرموت. الأرجح أنه أكد له أنّ الحشد الشعبي سيكمل المهمة في العراق، وأنه قادم على أقرب رحلة إلى اليمن، لمشاركة الحوثي في تفاصيل الإمبراطورية الفارسية العظمى.

«عاصفة الحزم» فاجأت كثيراً طهران وأصفهان وقمْ. الجمهورية تتوغل في العراق وسورية، عند مشارف التاريخ. هي لا تغادر الماضي أبداً، ولا تُخفي الحنين إليه. حسن نصرالله قال ذلك بوضوح، مشدداً على أن سلاح حزبه صالح للاستخدام كلما لزم الأمر لحماية الرفات والحجارة المقدسة، مبرراً تحرك قواته المدربة إلى القلمون، وريف دمشق، وريف درعا لذبح الشعب السوري، وهو ينشد حريته وخلاصه من بشار الأسد.

المهم الآن أن تواصل الطائرات العربية الخليجية التي تحركت في «عاصفة الحزم» مهمتها، فالأمر يحتاج إلى حلّ عسكري، يبدأ بإسقاط جمهورية الحوثيين، وإعادة الشرعية السياسية إلى اليمن، وإسناده اقتصادياً.

هذا الموقف المدعوم عربياً وإسلامياً من دول مهمة في الإقليم، سيفهمه الإيرانيون جيداً، بعد زوال مفعول الصدمة، ومهما سيبدو من تصعيد إعلامي ضد «عاصفة الحزم» على قناتي «الميادين» و«المنار» وصحيفة «الأخبار»، فالأهم أن الاستكبار الإيراني التقط الرسالة جيداً، فما هو ممنوع عليه في اليمن، سيكون أكثر منعاً في حوض الفرات، وإن آجلاً.

عاجلاً، يجب أن نبدو أكثر ثقة بأنفسنا وإمكاناتنا، وأن نكون مستعدين لخوض حروبنا من سورية والعراق إلى ليبيا واليمن وسيناء، فهذه حروبنا أولاً، إن لم نخضها، بكل الأسلحة والعزائم، فستأكلنا حروب الآخرين، وسننتهي، مثل أمة عجزت عن أي فعل، حتى عن حماية أطفالها وأمنهم ومستقبلهم. والفرجة لم تعد ممكنة، لأن أرض المسرح هي نفسها أرض الصراع، ولأن الجمهور ضحايا مؤكدون، والنصّ المكتوب لا مفاجآت فيه، ولا ينبغي أن ننتظر النهايات السعيدة.

brafayh@ey.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة