أبواب

الخرس الثقافي العربي!

خليل قنديل

يحق للمثقف العربي أن يُدهش من هذه السكونية التي تغلف وتحاذي جريان نهر الثقافة العربية بكل هذا الهدوء البليد الذي ينم عن الافتقار للمسؤولية الحضارية، عند المثقف العربي تجاه كل ما يحدث لهذه الثقافة من انحرافات وتقلبات وتصدعات وانهيارات لبنى ثقافية كانت تبدو راسخة ومتينة البنيان والأساسات.

«المثقف العربي لم يعدّ يشكل حالة إلحاحية على مستوى الوطن العربي، حالة تتطلب التدخل وإعادة الأمور إلى مسارها أو نصابها».


«العربي الذي ظل يسدد فواتير التخلف من قوته الروحية يبدو أنه في المستقبل ستكون فواتيره أكثر كلفة».

ومن يتتبع حركة المثقف العربي خلال هذه الفترة العربية الحرجة، لابد أن يلحظ كيف أن المثقف العربي بات يتستر على رأسه وجسده من ركلات الحضارة السائدة التي لم تعد ترحم أو تقيم وزناً للقامات الثقافية الكرتونية العربية، تاركة هذا المثقف يبحث عن جحره المعرفي الذي يليق به وبصمته!

والمشكلة أن بعض العواصم العربية كانت قبل بضع سنوات تعجّ بالحركة والصراخ والمناكفات والمشاجرات وضغائن كانت تبدو عصية على الحل، وقد كانت بعض المشاجرات الثقافية تحتاج كي تستوي وتعود إلى مسارها الطبيعي إلى تدخل من كبار القوم، وأحياناً من رؤساء الدول!

لكن ما يمكن الجزم به هنا أن المثقف العربي لم يعد يشكل حالة إلحاحية على مستوى الوطن العربي، حالة تتطلب التدخل وإعادة الأمور إلى مسارها أو نصابها. وإذا أردنا أن نضع الإصبع على الجرح نقول: إن المثقف العربي الذي كان «يتنطط» من عاصمة عربية إلى أخرى قد آثر الانسحاب من المشهد برمته، والانزواء في جحرية خاصة به تحميه من غدر السلطة وشخوصها، فالقاهرة لم تعد مأوى لبعض المتمردين وكذلك بيروت التي تصالحت مع نفسها ودمشق أيضاً، إذ قلّمت معظم العواصم العربية مخالب المثقف العربي، وحوّلته إلى كائن داجن، أما بغداد فحدث ولا حرج!

إن التنظيمات السياسية السرية التي كانت تقبع في دهاليز بعض العواصم العربية ألقت بسلاحها، وسارت مع الجوقة السياسية السائدة بعد أن حوّلت المثقف العربي الى سلعة بائرة لا تستحق المساومة عليها أو استعمالها كورقة ضاغطة على هذا النظام أو ذاك!

وعلى المستوى التنظيمي في العلاقات بين المثقفين العرب أنفسهم فقد خلت العلاقة بين المثقفين العرب من هوس المشاجرة والاختلاف حتى على مستوى الضغائن العادية التي تتصل بالحسد!

وهكذا فإننا نلحظ أن الساحة الثقافية العربية باتت تفتقر إلى المشاجرات الثقافية والفكرية التي ظلت تميز ملامح القرن المنصرم فالساحات الثقافية العربية التي امتلأت بالمشاجرات الفكرية والاختلافات الجذرية باتت متصالحة مع المناخ العام فمن الصعب مرحلياً أن تجد المثقف الذي يختلف مع الآخر، أو أن يحاول الاعتداء على تجربته الكتابية بالنقد.

إن هذا المناخ المتصالح إبداعياً صار يمكن له أن يسمح باختراقات انقلابية في المتن الإبداعي والأدبي لا لشيء سوى أن حراس النص الإبداعي قد آثروا الاختباء وسلامة الرأس وتركوا الساحة الثقافية لقصار القامة الإبداعية!

يحدث هذا في زمن تبدو فيه الثقافة العربية وهي تعيش تحولاتها الطولية والعرضية، في زمن ينهض فيه التاريخ العربي والإسلامي من قيلولته الدهرية كي يتشكل من جديد وبصبيانية أقل ما يقال عنها إنها موجعة!

إن العربي الذي ظل يسدد فواتير التخلف من قوته الروحية يبدو أنه في المستقبل ستكون فواتيره أكثر كلفة، وسيضطر إلى سداد هذه الفواتير بغض النظر عن نصل السكين الذي يحز رقبته، وستكون الكلفة عالية أو حتى مضاعفة.

إن الأجيال التي دخلت التحدي في مطلع القرن الفائت، وظلت تسدد الضرائب يبدو أنها ستعود إلى المربع الأول الذي صار يتحول إلى لعنة مستدامة، وعليه يبدو أن حالة الخرس الثقافي العام ستكون مدمرة!

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .  

طباعة