أبواب

مساحة حرّة

خليل قنديل

الزمن العربي الذي رافق الشخصية العربية عبر التاريخ المعاصر، والذي تحول بسبب المضغ الكلامي إلى ثرثرة مفرغة من معناها الفاعل والمؤثر، يبدو أنه قد أصيب بالكسل، وآثر الانسحاب من الذاكرة العربية المبتهجة دائماً بالشفاهية، مؤْثراً الانسحاب إلى الصفوف الخلفية للنطق، بحيث إنه ترك في أعماق العربي المعاصر ما يُشبه اليُتم الكلامي والقطيعة التعبيرية.

نعم، إن التاريخ العربي الذي ظل متصلاً في حلقات تشبه إلى حد كبير الحلقات التلفزيونية، وهو يصحو ويغفو في فن الهرج الكلامي العربي، يبدو أنه قد وقع أخيراً في فخ التقلبات المعرفية والزمنية، بحيث يبدو كأن الحياة قد ابتلعته، لا بل هضمته تماماً.

«الثورة التكنولوجية، التي صارت تحدث بشكل متسارع في وطننا العربي، جاءت وهي تصطحب معها لغتها، ولم تحتمل إحالتها إلى مرجعية القاموس اللغوي العربي على طريقة (شاطر ومشطور وما بينهما كامخ)، بل حطت على لساننا مرة واحدة».

فالتنوع المعرفي العالمي، والقفزات الهائلة والمتباعدة للثورة التكنولوجية، يبدو كأنهما قد ساقا هذا الزمن أمامهما واقتاداه نحو أبجديات ومفاتيح كلام تبدو بعيدة كل البعد عن صياغة الجملة العربية الفصيحة، ذلك أن حركة النهوض التكنولوجي في العالم تبدو غير مهتمة بالتزيين اللغوي والإنشائي، الذي يضفيه العربي في مداخلاته الكلامية، مثلما يبدو أن مثل هذا التباعد، بين الكلام وتحقيق مآربه، لم يعد يخدم السارد الشفاهي العربي في شروحاته اليومية والحياتية.

والعربي، منذ مطلع عصر النهضة وقيام الدولة العربية الحديثة، لم يحاول أن يدخل في كيمياء الجمل الفكرية المشكلة للوعي، بل آثر تلك الارتعاشة التي يفعلها فيه سحر البيان، وضجة الاستعراضات الكلامية والفكرية. ولهذا فان العربي، الذي هجر لغته في وقت مبكر، وقف عارياً أمام القطيعة التي أحدثتها فيه اللغة، وبدا كأنه يتوسل استحداث وأساليب تجديد لغته. وقد فعلت مثل هذه القطيعة فعلها المؤثر في اللغة المعرفية الشبابية، وصارت لغة الشباب العربي تقترب كثيراً من استحداث لغة ثالثة هي على الأغلب لغة مهجنّة هي أقرب للغة «الفرانكو أراب» من العربية السائدة، إلى الدرجة التي بتنا فيها، ونحن نحاول اعوجاجنا اللغوي، اقرب إلى المنطق الفكاهي منّا إلى اللغة. لا بل إن مثل هذه اللغة الجديدة المقترحة صارت علامة من علامات الغنج الحضاري وافتعال التمدن.

إن الثورة التكنولوجية، التي صارت تحدث بشكل متسارع في وطننا العربي، جاءت وهي تصطحب معها لغتها، ولم تحتمل إحالتها إلى مرجعية القاموس اللغوي العربي على طريقة «شاطر ومشطور وما بينهما كامخ»، بل حطت على لساننا مرة واحدة لا تحتمل التريث أوالتأجيل، وصار من الواجب على جيل كامل أن يتعرف على معطيات هذه اللغة بسرعة لا تحتمل التأخير أو التأجيل.

ومن يراقب سرعة الانقلابات اللغوية في العربية، وغيرها من اللغات، وتغيير مواقع الكلم، تماشياً مع التسارع في التطور التكنولوجي، لابد أن يشطح به المخيال إلى أن يتساءل إن كان يمكن للغة الثالثة هذه أن تقلب اللغة ذاتها لتحيلها إلى ما يشبه اللغة الرمزية ولغة الإشارات.

والنتيجة إذا كان دور اللغة الأساسي هو التوضيح والفهم، فمن الطبيعي أن مثل هذه اللغة ستعمل مستقبلاً على الانسحاب بسبب إهمالنا التاريخي لها، والكسل في استعمالها، ولعل التاريخ الذي رحل عن التاريخ اللغوي الإنساني كان قد فعل ذلك بسبب الهجر الكلامي له. ومن يطلع على أدبيات الشعر العربي الجاهلي وتجلياته سيغفر له سر هذا الاختفاء القاسي والمريع عن نطقنا وألسنتنا.

والكوكب الأرضي الذي عج تاريخياً بلغات عديدة عبر تاريخه الأرضي الطويل، كان قد انسحب من منطوقنا اليومي وغاب في اقتراحات جديدة أملاها غيابه عن النطق، ويبدو أننا عربياً سنواجه المشكلة ذاتها مع لغتنا التي نشارك جميعاً في وأدها ودفنها في ترابنا اليومي الذي لا يرحم.

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة