كل جمعة

متى يزول الالتباس..؟

باسل رفايعة

يوسف شكري يونان. مينا فايز عزيز. هاني عبدالمَسِيح صليب. جرجس ميلاد سنيوت. هؤلاء أربعة مصريين، كانوا بين 21 عاملاً قبطياً، ذبحهم مجرمون داعشيون ملثمون في ليبيا، تحت راية سوداء، ووصفوا جريمتهم المخجلة لكل دين، ولكل إنسان وضمير، بأنها «رحمة بالسيف»، وأن كلّ ما في الأمر «انتقام من الغرب» المسيحي الكافر.

متى يزولُ الالتباس؟ متى ينفضُّ هذا المأتم؟

«مَنْ نصدّق في هذه الرواية المتسلسلة. النصوص التي نحفظها. الأبطال النبلاء الذين لا يقتلون الكهول في الصوامع، ولا يقطعون الأشجار. أم اللصوص الذين سرقوا الحكاية؟».

الأسماء قبطية مسيحية، لم تقع عليهم الجزية حكماً. لا أموال لدى عمال يكدحون في الصحراء. وقعت على رقابهم تشوّهات أمة بأكملها، على هيئة سيوف تحزّ الرقاب، فتستقرّ الرؤوس بين الأكتاف. يهدرُ الدم من الرمل إلى الماء، ويستعيد ميراثاً همجياً من تحت رماد الخديعة والأكاذيب.

هناك أيضاً ميلاد مكين، وكيرلس شكري وآخرون. وهم كانوا أسماء لبشر، وآباء لأطفال، وأبناء لأمهات. انتقم «داعش» من الأسماء. لا يريد أبوقتادة، وأبوالمقداد لهذه الأسماء أن تعيش، يرى أن في وسعه منع الحياة عن الأسماء التي لا تشبهه في الإيقاع والمعنى والدلالة، أسماء عمَّال عاشوا في المرارة، وماتوا أكثر مما يحتمل الموت نفسه، وكلنا كنّا شهوداً في حضور سينمائيّ متقن على دموع الرجل الأشيب، وعلى ارتجاف الفتى الأسمر، ولم نكن نملك ما يكفي من وعي، لنرى الرعب مصلوباً على الوجوه والعيون التي لا تشبه سوانا، فيما نحن نحدق في ذهولنا، ونعرف تماماً أن لا خدعة في هذا المشهد المستعار من إرث تفنن الوارثون في وحشيته وسرده في تاريخ لا يخدع أحداً، ولا يأخذه الشكّ في النسخ والتكرار.

مَنْ نصدّق في هذه الرواية المتسلسلة. النصوص التي نحفظها. الأبطال النبلاء الذين لا يقتلون الكهول في الصوامع، ولا يقطعون الأشجار. أم اللصوص الذين سرقوا الحكاية؟ لمنْ نقرأ؟ وماذا نقرأ؟ وهل ثمة غير ما نحفظ ونعيد، ونُعلّم الصدى ترديد المحفوظ والمنسي من القصة؟ ماذا تبقّى من اليقين، ليظل يابساً وكريهاً وكثير الظن بهذا الخراب المزروع من طمي الفرات الأوسط إلى الأبيض المتوسط، حيث يَصُب الموت من نهر إلى بحر، وحيث يفيض حد الخرافة، فلا تعصمنا منه السدود والحدود؟

متى يزول هذا الالتباس، وينتهي «داعش» في الجغرافية والعقول؟ متى ينتهي ناسٌ ودولٌ وجماعاتٌ من الاختباء الذي طال وراء سراب الخلافة الإسلامية التي ترفع لها «داعش» الرايات المرعبة والسيوف، وتشعل حولها النيران؟ متى يتوقفون عن الذرائع والتعاطف مع مافيات من القتلة واللصوص والمغتصبين؟

الدواعش يقتلون في حواضنهم السنيّة في العراق وسورية. يذبحون الشيعة. يغتصبون أطفال الأكراد والإيزيديين ونساءهم، أعادوا عصور الرقيق إلى القرن الحادي والعشرين. هم ماضون في استعادة فصول الجريمة، يستخدمون الفؤوس والسيوف والحرق. ولن يتوانوا عن طبخ الأجساد البشرية في قدور النحاس، ولا عن بقر بطون الحوامل، وتقطيع الأجساد بالمناشير، فهذه المشاهد تجد قبولاً من جمهور «داعش»، وتحقق أعلى نسبة مشاهدة.

سيقترفون في قادم الأيام أكثر مما تخيّلته سينما الرعب، لإرهابنا جميعاً. فإما أنّ لهم دينهم، ولنا ديننا، وإما أن بيننا من يرون في الدين الداعشي ما يمكن قبوله، وما يمكن النقاش حوله. وهنا تكمن العقدة، وهذا ما يجب أن نتكاشف فيه قبل حربنا الطويلة، للنهوض من هذه النكبة، بما يُقدّر لنا من خسارات، ذاقت أمم غيرنا مراراتها، قبل أن تنجو.

وهذه حلقة أخرى من الالتباس التي يعيشها العرب والمسلمون. لا يوفر لهم الإنكار الأمن والنجاة، ولا خيار من الاعتراف بأنّ «دين الدواعش» ليس إسلاماً بأي حال من الأحوال، شرطاً لمواجهته والقضاء على شروره.. أو انتظار أن تكتمل الكارثة.

brafayh@ey.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة