5 دقائق

أنتم شهداء الله في الأرض

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «أنتم شهداء الله في الأرض»، قال ذلك لما أثنى الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، على ميت مرت جنازته وذموا أخرى، فقال: «هذا أثنيتم عليه خيراً، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً، فوجبت له النار»، وما من أحد عرفته ولا قرأت مقاله إلا وأثنى على الملك الراحل، عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله تعالى، لما يذكرون من مآثره وطيب قلبه وكبير عمله وبالغ إخلاصه في خدمة شعبه وأمته، فأثنوا عليه بما هو فيه من الخير.

«إن انتقال خادم الحرمين الشريفين للدار الآخرة، إنما هو انتقال من دار العناء والشقاء إلى دار السعادة والرضا».

والناسُ أكيسُ من أن يمدحوا رجلا ... حتّى يروا عنده آثار إحسان

ومن أجمعت الألسُن على ذكر محاسنه، لاشك أنه قد وُضع له القبول في الأرض، فما أحبه أهل الأرض حتى أحبه أهل السماء، ووجبت له محبة الله تعالى، وما كان لينال ذلك إلا لما يفعله من الخير لعباد الله، والخلق كلهم عيال الله ـ أي فقراؤه - وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وخير الناس أنفعهم للناس، وإذا كانت منفعتنا لآحاد الناس سبباً لمحبة الله تعالى لنا، فما الظن بمن ينفع الأمة كلها، لاشك أنه يكون قد اكتال بالمكيال الأوفى من محبة الله؛ لذلك لهجت الألسن بالثناء والدعاء، والعيون بالبكاء، والقلوب بالرضا بالقضاء، فاستوجب بذلك الجنة فضلاً من الله تعالى ورحمة.

إن انتقال خادم الحرمين الشريفين للدار الآخرة إنما هو انتقال من دار العناء والشقاء إلى دار السعادة والرضا، فقد كان ملكاً عادلاً، وملكاً محبوباً محبباً، وملكاً كريماً، وملكاً حليماً، وهذه خلال توجب له فضل الله الواسع وعطاءه غير المجذوذ، ومع ذلك فهو لم ينتقل إلى جوار ربه إلا ببدنه، وإلا فإنه باقٍ بين الناس بمآثره وإحسانه وأخباره، وهذه حياة ثانية للمرء فكان كما قال شوقي:

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ... فالذّكر للإنسان عمرٌ ثاني

وقد كان إبراهيم، عليه السلام، يسأل ربه ويقول {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي ثناءً حسناً عند الناس، فكان كذلك، فكل الأمم ذوات الديانات السماوية تثني عليه وتدعي أنها من أتباعه، مع أنه ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، فعلَّمنا كيف يستطيع المرء أن يعيش عمراً آخر بعد عمر الدنيا، وهو أن يكون له أثر صالح يذكر به، فكم سيذكر الناس باني الحرمين الشريفين، وكم سيذكر الشعب السعودي تلك النهضة العظيمة التي أنشأها، والنقلة النوعية التي أحدثها للشعب والأمة؟ إنها حياة ثانية حقاً وحقيقة، فرحمه الله ما أجدره بذلك.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة