أبواب

إسكندرية «العم أحمد»

علي العامري

نادرون هم الأشخاص الذين تلتقيهم، فتشعر من الوهلة الأولى، بأن بساطتهم تجذبك إلى عمق إنساني لا تنساه، وتتمنى لو أن كل البشر مثل هؤلاء، بقلوب صافية، خالية من العتمة والضغائن، وليس هذا فقط، بل إن تلك التلقائية التي يتميز بها هؤلاء الأشخاص سرعان ما تأخذك إلى وعي فطري خالٍ من الشوائب أيضاً.

«العم أحمد» هو واحد من هؤلاء البسطاء، الذين يضيئون الحياة بابتسامة صافية وفطرة صافية، يعمل «العم أحمد» سائق سيارة أجرة في فندق فلسطين في الإسكندرية، ومنذ اللحظة الأولى أحسست بأنني محظوظ لأنني صادفته، وترافقنا في جولات كثيرة.

«العم أحمد» صمت لحظة، وقال «عفواً، لقد نفد رصيدهم»، ويقصد المتطرفين، وهو بهذه المقولة المستوحاة من الرسالة الصوتية حين ينتهي رصيد الهاتف المتحرك، اختصر كلاماً كثيراً يمكن أن يقال عن حال المتشددين دينياً.


«العم أحمد» هو واحد من هؤلاء البسطاء الذين يضيئون الحياة بابتسامة صافية وفطرة صافية، يعمل «العم أحمد» سائق سيارة أجرة في فندق فلسطين في الإسكندرية، ومنذ اللحظة الأولى أحسست بأنني محظوظ لأنني صادفته.

«العم أحمد» كما يلقبه الجميع، رجل سبعيني، تحتفظ ذاكرته بشريط طويل من الذكريات والأحداث والمدن والطرق والوجوه، يتحدث بهدوء، وبصوت الواثق والحكيم، وحين يبتسم ترى أن وجهه كله يبتسم، وعلى خلاف كثير من سائقي سيارات الأجرة في الدول العربية، الذين يمطرون الراكب بثرثرة لا تتوقف منذ صعود السيارة حتى الوصول ، يتحدث «العم أحمد» في وقت الكلام، ويصغي إليك، ويناقش بهدوء، لكنه يتركك تتأمل المشاهد والوجوه والمباني والبحر، حين يلمح رغبتك في التأمل، يركن إلى الصمت، إنه سائق حكيم، علمته الحياة أكثر مما علمته المدرسة.

خلال حديثنا عن الأوضاع في مصر، والتحولات الجديدة فيها، قال إن الجماعات المتطرفة لم يعد لها «خبز» في مصر، إذ إن هؤلاء يريدون تحويل بلدنا إلى «مومياء» تتحرك وفق رغباتهم، إنهم يريدون قتل الفرح والحياة والحرية، ولا يريدون سوى تعميم «العتمة» في حياتنا.. ثم صمت «العم أحمد» لحظة، وقال «عفواً، لقد نفد رصيدهم»، ويقصد المتطرفين، وهو بهذه المقولة المستوحاة من الرسالة الصوتية حين ينتهي رصيد الهاتف المتحرك، اختصر كلاماً كثيراً يمكن أن يقال عن حال المتشددين دينياً، هذه المقولة التي أطلقها «العم أحمد» أصبحت أرددها كلما التقيته، لينطلق ضحكنا بعد ذلك. وقد أخبرته أنني حين أكتب عنه سأذكر هذه المقولة البليغة، على لسانه، حفظاً لحقوق الملكية، فازداد ضحكاً.

«العم أحمد»، الذي ولد عام 1941 في الإسكندرية، من أب مصري وأم مغربية من طنجة، حدثني عن جزء من ذكرياته وتجاربه الحياتية، إذ إنه كان يعمل سائق شاحنة في الإمارات لنحو 12 عاماً، يجوب بها الجغرافيا، منطلقاً من دبي إلى السعودية وتركيا.

وعن بعض الذكريات، قال لي إنه أحب فتاة يونانية في الإسكندرية، لكن أمه رفضت أن يقترن بها. وتحدث عن مغامراته في صيد الأسماك وهي برفقته، أيام الشباب، لكنه تزوج إسكندرانية، ولايزال يعيش معها، معبراً عن سعادته وحبه لها. وبعد زيارة مكتبة الإسكندرية «الجديدة» في الطريق إلى منزل الشاعر اليوناني قسطنطين كفافي (1863ــ1933) الذي صار متحفاً لمقتنيات الشاعر وصوره، أشار إلى بقايا المعمار اليوناني في بعض المعالم الباقية، متحسراً على تلك الأيام. وقال إن رحيل كثير من اليونانيين عن الإسكندرية، أضر حياة المدينة والنمط المعيشي الذي كان سائداً آنذاك.. وبدأ يتذكر أسماء الأماكن والمطاالعم والمقاهي اليونانية، كما تحدث عن بعض أعلام الإسكندرية من أدباء وفنانين، من بينهم توفيق الحكيم وسيد درويش ومهندس الفقراء حسن فتحي والشهيد خالد سعيد والمغني اليوناني ديميس ريسوس ويوسف شاهين.

«العم أحمد» يمثل روح الإسكندرية البهية.

«العم أحمد».. شكراً.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة