كل جمعة

الشعب يريد إسقاط النظام الدنماركي

باسل رفايعة

«الشعب يريد إسقاط النظام». كدنا ننسى هذا الشعار الذي اجتاح الربيع العربي، وأدى إلى سقوط أنظمة ديكتاتورية، منعت الخبز والكرامة والحرية عن شعوبها. كدنا ننسى الهتاف بإيقاعه اللغوي والعاطفي المدهش في الحناجر وفي الشوارع، بعدما اصفرّت خضرة ربيعنا، وسرقه لصوص ملثمون في ليالٍ حالكة بالألم والدماء.

«لاجئون عرب ومسلمون يعيشون على المساعدات الحكومية الدنماركية، قرروا أنهم (شعب) يريد إسقاط النظام الدنماركي، وإعلان الخلافة الإسلامية».

كدنا ننسى الإيقاع فعلاً، لولا أنّ لاجئين من دول عربية وإسلامية في الدنمارك خرجوا هذا الأسبوع في مظاهرة في كوبنهاغن، وصرخوا بأعلى أصواتهم بأنّ «الشعب يريد إسقاط النظام». لا تستغربوا، هذا ما حدث، موقع «يوتيوب» يشهد على ذلك بالصوت والصورة، لاجئون عرب ومسلمون يعيشون على المساعدات الحكومية الدنماركية، ويقيمون في بلاد متحضرة تعدّ نموذجاً في احترام حقوق الإنسان، قرروا أنهم «شعب» يريد إسقاط النظام الدنماركي، الذي اعتبره بعضهم «فاسداً، ويحتاج إلى تطبيق للشريعة» ثم «إعلان الخلافة الإسلامية» في الدنمارك، وليس في الرقة، ولا في الموصل، حيث تنتاب الكوابيس دواعش مهووسين بإقامة دولة خرافية تسبي النساء، وتغتصب القاصرات. استعار مئات الرجال والنساء، الذين يأكلون ويشربون من جيوب دافعي الضرائب في الدنمارك، شعاراً رفعه الشباب العربي نشداناً للحرية والعدالة الاجتماعية، فتظاهروا في شارع نظيف في كوبنهاغن، حيث كان عدد قليل جداً من رجال الشرطة يحرس المظاهرة التي تعبر من أطرافها دراجات هوائية، ومارة، يرون المشهد طبيعياً ومعتاداً في مثل هذه المدن.

قطعاً، لا يعرف معظم الدنماركيين اللغة العربية، وهم يعتبرون أن حق اللاجئين في التظاهر أمر لا جدال فيه، وربما ظنّ كثير منهم أن المتظاهرين يطالبون برفع قيمة المساعدة الشهرية، أو تحسين نوعية التعليم والرعاية الصحية، وغير ذلك من الحقوق الإنسانية، التي تعتبر شأناً طبيعياً في المجتمعات المتحضرة. ربما لا يعرف الدنماركيون أن المتظاهرين جاؤوا من بلدان تعتبر حقوق الإنسان ترفاً غير قابل للنقاش. ولا شكّ أن معظمهم يعارض ترحيل هؤلاء اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية، باعتبار ذلك انتهاكاً لحقوقهم الإنسانية الأساسية.

المتظاهرون أنفسهم يعرفون ذلك، ويعلمون تماماً الثمن الذي كانوا سيدفعونه لو خرجوا في المظاهرة نفسها، بالشعارات نفسها، في بلدانهم الأصلية. يدركون كل ذلك، وهم يرفعون الرايات السود، ويسيرون مع أطفالهم في تظاهرة كوبنهاغن، ولكنه شكل قبيح للإرهاب والاستقواء على ديمقراطية بلد آمن ومحترم مثل الدنمارك، استضافهم لاجئين على أرضه، وأطعمهم من خبز مواطنيه، ثم اعتبروه بلداً فاسداً، يجب إسقاط الحكم فيه، وإقامة خلافة داعشية على أرضه!

الدنمارك التي يريد اللاجئون الدواعش إسقاط نظامها، وإقامة خلافة بدلاً منه، هي أفضل مكان للعيش والعمل في العالم، وفقاً لتصنيفات المنظمات الدولية، وهي الأكثر أمناً، والأفضل في نظام الضمان الاجتماعي، ومستويات التعليم، والرعاية الصحية، ما جعل نظامها مقبولاً لدى شعبها الذي لا يطالب بإسقاطه، بينما يدعو إلى ذلك لاجئون جاؤوا من بلدان لم تكن أكثر من مزارع لمعمر القذافي، وزين العابدين بن علي، وبشار الأسد، وغيرهم. وهكذا، نحن نطالب أعداءنا بأن يتكاثروا، وندعوهم إلى مزيد من الاصطفاف ضدنا، حتى وهم آمنون في بيوتهم وشوارعهم ومدنهم، من مظاهرة كوبنهاغن إلى مذبحة باريس الأكثر وحشية، حيث قتل مسلحون ملثمون 12 إنساناً في مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة، على وقع هتافات دينية - ثأرية. هكذا تنتحر الأمم، وتكرر انتحارها في أشكال كثيرة، وتتنافس على وسائل من أجل موت الآخرين فجأةً وبسرعة، من حيث هي تموت أيضاً، وتهتف لموتها في حيّ سكني في بغداد، أو في شارع أوروبي، أو في مجلة فرنسية.

brafayh@ey.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة