أبواب

صباح

خليل قنديل

البعض منّا يعيش حياته دون أن يتدخل فيها على الإطلاق، ليكتشف لاحقاً أنه لم يقم بفعل التحرش بالحياة تاركاً حياته تتدفق في نهر العمر بتلقائية يعمل خلال ذلك على عدم التدخل بها. وهذا النوع من الناس هم بالفعل من أقل الناس تضرر بالحياة وتعرجاتها. نعم إن البعض يتقدم في شريط العمر دونما أسئلة ودون أي اقتراحات اضافية تحاول أن تجمل الحياة أو تعترض على بعض تفاصيلها، ويمكن القول إن هذا النوع من الناس هم أقل من يسددون كلفة الحياة، وهم ما نسميهم بنوع من التعمية بالناس أو بالجمهور.

«هذه الفنانة استطاعت أن تؤكّد حقيقة أنها ابنة حياة، وأنها ظلت قادرة على رسم ابتسامة التفاؤل والإقبال على الحياة عند جيل عربي كامل».

هي من الفنانين الذين يهمسون لكل عابر فوق قبرها، قائلة: «نعم لقد كنت هنا ورسمت شارة مروري».

وبالمناسبة أنا اذكر أني، خلال مشواري الحياتي، التقيت بهذا النوع من الكائنات هؤلاء الذين كانوا يملأون حياتي غيظاً من ذاك البرود، الذي يتعاملون به مع الحياة، فالعمر بالنسبة اليهم هو مجرد رحلة لا تستحق كل هذا الجهد البشري المدمر، بل هي رحلة لا تتطلب منا الا أن نطأطئ رؤوسنا ونمشي بتخفف من كل الحمولات الثقيلة، والولادات ما هي إلا إضافة حماقات بشرية جديدة على قاموس الترهات البشرية، أما الموت فهو تحصيل حاصل لكل هذا المخزون البشري، ولذا تراهم يتقبلون العزاءات في الجنازات والمقابر بنوع من الرشاقة الروحية ومعاودة الانخراط في تلافيف الحياة من جديد ودون أي نوع من الكدر.

يقابل هذا النوع من الناس تلك الكائنات الوثابة المتقافزة التي تقول لذاكرة التاريخ بالصوت الواضح أنا الإنسان لقد مررت من هنا وهذه علامتي أو إشارتي. ان الإنسان الفنان الذي يُطعم حياته بالاشتغال على موهبته ليبرزها في متاهة الناس، ويؤكد حضورها ليخلف موهبة تظل تعرش فوق رؤوس الناس هو الذي يقود عربة الحياة ليظل يؤكد أنه عبر من هنا. وهو الذي يظل يؤكد أنه من الصعب لا بل من المستحيل قبر الموهبة.

ربما ينطبق هذا الكلام على الفنانة «صباح» التي ودعت الحياة بعد عمر مديد قبل أيام، ذلك أن هذه الفنانة استطاعت أن تؤكد حقيقة أنها ابنة حياة وأنها ظلت قادرة على رسم ابتسامة التفاؤل والإقبال على الحياة عند جيل عربي كامل، منذ مطلع خمسينات القرن الفائت واستمر حتى انفاسها الأخيرة، بحيث انها استطاعت أن تتحول الى ذاكرة فنية ومزاجية وضاءة عند المستمع العربي.

ففي زمن الوصل والاتصال حين كانت وسيلة الاتصال هي المذياع وحده، كانت صباح الفتاة القروية القادمة من الضيعة اللبنانية نحو بيروت وعمان ودمشق والقاهرة لترسم بابتسامتها الانثوية صورة الفنانة المبتهجة على رسم ابتسامة الحب والغرام عند جيل كامل الدسم، حيث كانت «صباح» قادرة على تمزيق الستارة بين الناس وبين علية القوم وقصورهم وعوالمهم وقصص الحب التي تؤرقهم وترسم ايامهم وحدود المشاهدة عندهم وأفقها.

والفنانة «صباح» لم تتشدق بنظريات حول الفن، بل قامت بانتقاء «الطقطوقة» التي يدندن بها البسطاء وهم يرسمون أشكال عشقهم وطبيعة غرمياتهم، ففي زمن كانت الأغنية العربية فيه لا تخلو من صرامة برح العاشق وتلك القصائد الثقيلة حضرت «صباح» كي تأخذ تلك «الطقطوقة» وتوزعها على جمهورها العربي ليصدح بها في اغنيات تأخذ اللب.

و«صباح» لم تتشدق بالنظريات الاجتماعية وعاشت حرّة كما تريد في وقت كانت فيه الحرية من أصعب الاختيارت وأعقدها وتزوجت من «13» رجلاً، وقد استطاعت أن تجعل بعضهم يشاركونها أفلامها.

وبالفعل فقد كانت «الصبوحة» برقتها وابتسامتها المشرقة «بلدوزر» فني وكاسحة الغام ضد كل ما يُعيق حركة الفنان، وهي بالفعل من الفنانين الذين يهمسون في الأذن، لكل عابر فوق قبرها قائلة «نعم لقد كنت هنا ورسمت شارة مروري».

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة